فايز الشيخ السليك

 تقول الطرفة؛ أنه بعد انفضاض اجتماع الحزب والمتعلق بإجازة تشكيل وزاري؛ خرج الرئيس من القاعة فوجد أحد القادة فسلم عليه ” الصحة كيف؟” رد القيادي مبتسماً ” ما في مشكلة أي حاجة يا ريس.. التجارة، الصحة ان شاء الله وزارة البيئة”. كان ظن الرجل أن الرئيس يعرض عليه وزارة الصحة، بينما كان المقصود صحته الشخصية.

وفي السودان؛ ظل  بيت شيخ الحركة الإسلامية وعرابها الدكتور حسن الترابي في المنشية، قبلة حج الحالمين “بالاستوزار” قبيل اعلان أي تشكيل وزاري، وكان كل صاحب طموح وزاري ينتظر بركة الشيخ لتأخذه فوق كرسي الوزارة.

وعندما انتهت ” سطوة الشيخ”؛ انتقل مركز القرار الى قصر المشير البشير، فهو من يعين، ومن يفصل على حسب تصريحاته قبل أسابيع. وهذا يعني أن البشير لا يعين الا من يثق فيه أو يرضى عنه؛ وبالطبع ظل الفريق عبد الرحيم محمد حسين من اهل الحظوة، ومن الذين بقوا في دائرة الرئيس الضيقة منذ الثلاثين من يونيو ١٩٨٩، وأنه من بين الذين كُتب لهم التنقل ما بين أمانة مجلس الوزراء ووزارة الداخلية والدفاع لقرابة الثلاثين عاما.

ومع ذلك أدلى الفريق عبد الرحيم الأسبوع الماضي بتصريحات لا تتسق مع طول مكوثه في كرسي السلطة، قال الرجل للصحافيين في حديثه عن المناصب “هذه وظائف فقط، وعندما ندخل القبر لا بتمشي معانا سلطة ولا عربية بس بمشي معانا عملنا)، وأردف (كرسي السلطة زي حق الحلاق ويوم يقولوا لينا كفاكم نقول الحمد لله”

وعبد الرحيم على وجه التحديد يعتبر ثالث ثلاثة عمروا على ” كرسي الحلاق هذا” برغم محاولات كثيرة للإطاحة به. حاول علي عثمان محمد طه عام ٢٠٠٤ بعد انهيار احدى البنايات التابعة لوزارة الداخلية، لكن طه أفلح مؤقتاً فاضطر البشير لإبعاد صديقه ورفيق دربه انحناءً للعاصفة، أو كما أسماها ” استراحة محارب”.

وعاد عبد الرحيم مترَّقياً وزيرا للدفاع؛ استمر في المنصب حتى  قبيل حوار ” الوثبة” بعد أن طرح القطريون مبادرة لجمع الإسلاميين من جديد، رحب الترابي بالطرح؛ ومع قبول المبدأ  اشترط  الترابي على البشير إزاحة علي عثمان والفريق بكري والفريق عبد الرحيم ؛ وفقاً لمصادر عليمة، إلا أن البشير لم يقبل التضحية برفيقي السلاح والانقلاب، فذهب طه وبقي الاثنان.

 ومع ذلك لم تهدأ عاصفة الغضب على عبد الرحيم، بل انتقلت العواصف الى داخل حزبه حتى أوشكت أن تطيح به في سياق لعبة الموازنات في آخر تشكيل وزاري، فقد الرجل منصب وزارة الدفاع؛ إلا أن البشير عينه والياً على العاصمة.

 أكثر من ٢٧ عاماً قضاها الرجل جالساً فوق كراسي المناصب التي اعتبرها مثل ” كرسي حلاق” ولنتخيل أن عبد الرحيم جلس على كرسي حلاق يروي عليه قصص المدينة؛ فكيف كانت ستكون ردة فعله؟  معروف أن الحلاقين يحرصون على إدارة حوارات مع زبائنهم بغرض التسلية وكسب ودهم، وبالطبع يبدؤون بأحاديث عامة؛ ولو أن عبد الرحيم جلس معهم لحدثوه عن أجواء الخرطوم، بؤس صرفها الصحي، ووجها الكالح. ووفقاً لكل التقارير ظلت الخرطوم تحتل المركز الخامس من بين أسوأ المدن في العالم، و يعزى ذلك إلى الفساد  وغياب الإدارة القادرة على استثمار موارد المدينة ومقوماتها الاقتصادية في التنمية والتطور ، وتهالك البنيات التحتية، رداءة الطرق، تراكم الأوساخ، انعدام أماكن الترفيه وغيرها من معايير تحديد نوع الحياة في المدن. يبدو أن حلاق عبد الرحيم يربط من يجلس فوق كرسيه بأسلاك متينة ليس من بينها الانجازات، وإلا لنفض له شعره واستأذنه في الانصراف بعد أن يدفع عطيته. عطية المزين.