خالد فضل

 

على أيام هداوة البال التى عاش في كنفها معظم السودانيين فى عهود ماقبل الإنقاذ، كان المغنون يرددون حداء الشعراء يتحسرون على فقدان الحبيب وهجير الهوى ووجيب القلوب، يشيل الدمعة فوق الدمعة،كما فى غناء الراحل الكحلاوي، ترى أما تزال حياة السودانيين تسير على وتيرة الحياة الطبيعية لكل خلق الله؟ الشواهد مع الأسف تشير الى وقائع غير طبيعية غلفت حياة السودانيين خلال حقبة الإسلاميين البائسة المسماة مجازا بالانقاذ، بات كثير من الناس يفقدون اليقين فى المستقبل وهم يعيشون فى حاضر قلق فى كل جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

تفاقمت المعضلات الاجتماعية بصورة غير مسبوقة، زادت وتائر الطلاق وتفكك الأسر وانحراف الأبناء وشيوع الرذائل الأخلاقية من الزنا والمثلية الجنسية وتعاطي المخدرات والمسكرات والخيانات الزوجية، فما من يوم يمر إلا ونجد الأخبار السيئة فى هذه المجالات فى المدينة والقرية على حد سواء، أصبحت العلاقات الإنسانية القائمة على التجرد والاثرة والتفاني والاخلاص والحميمية ذكريات من الزمن الماضى لم تعد هناك صداقات أبناء وبنات المدارس والجامعات التى تمتد لاسرهم وتشمل دائرة واسعة من اوساطهم الاجتماعية، لم تعد علاقات العمل تستظل بوارف الزمالة والنقابة والنزاهة، إذ صارت اللغة (شوف مصلحتك وين)ليس فى الوظائف الحكومية فحسب بل فى معظم مجالات العمل تقريبا فيما يعرف بسياسة (الحفر)التى لا يكاد يخلو منها مجال من مجالات العمل فى السودان الآن،ويردد السودانيون فى مجالسهم أن ذاك المسؤول الكبير فى رئاسة الجمهورية مثلا قد حفر لفلان وفلان، مثل مايرددون ذات القول فى مكتب نائي لديوان الزكاة أو مصلحة الغابات.

فى المجال الإقتصادي لم تشهد بلادنا استقرارا منذ الثلاثين من يونيو 89، ما من سياسة اقتصادية واحدة قد نجحت فى بث الطمٱنينة فى أوساط عامة الناس، كما رافقت كل السياسات الاقتصادية الشكوك والظنون ليس فى جدواها فحسب بل فى دوافعها أيضا، وإذ يذكر الناس ماشاع على أيام تبديل العملة من الجنيه إلى الدينار،وسياسات حظر تداول العملات الأجنبية أو مجرد حيازتها ومارافق تلك الفورة من حملات وحشية أدت لاعدام بعض شباب السودانيين أحدهم المرحوم مجدى الذي كانت جنايته وجود عملات صعبة فى خزانة منزله،وكيف يثق الناس فى نظام مقيت يبدأ عهده بالقتل والسحل والتنكيل والتعذيب لمواطنيه، ومن ثم فشلت كل الخطط التى أعلنت وتم التهليل والتكبير لها، وانتهى الاقتصاد السودانى الي حطام متراكم من الخيبات والفشل، بعد أن دمرت وتراجعت كل القطاعات المنتجة فى الأراضى الشاسعة الخصبة التى كان يمكن أن تجعل السودان اسما ورقما فى سوق الإنتاج الزراعي العالمى، هذه أخطاء جسيمة يعيش فى آثارها المؤلمة معظم السودانيين اليوم، وهم يتابعون أخبار الدولار من بائع الطماطم الى غرف تحديد العمليات فى المستشفيات (الحزينة)، وقبل يومين كتب أحد أعضاء مجموعة تراسل فورى (واتساب) متابعا حركة صعود أسعار الدوار خلال بضع ساعات خلال يوم واحد لتأتي النتيجة من 25 جنيه وحتى 28.2 فى آخر اليوم فكيف يثق السودانيون فى يوم بكرة وهم يعيشون واقع اليوم المرير.

أما فى حقل السياسة فحدث ولا حرج، فى الحقيقة لم تعد هناك سياسة بل فهلوة وكذب ونفاق على المكشوف وتدليس وغش يقوده رأس الدولة نفسه وجوقة المطبلين فى وسائط الدعاية والاعلام التى تسيطر على معظمها الأجهزة الأمنية القمعية المتخصصة فى لي عنق الحقائق وعكس الوقائع على قاعدة (لا اريكم إلا ما أرى) فمنذ بدع الحوارات الوطنية المزيفة للأعوام الأولى للإنقاذ وإعادة طبعها لذات النسخة البائرة قبل نحو عامين ظلت الساحة السياسية تخضع لمعادلة وحيدة طرفاها دوما قامع ومقموع، ظالم ومظلوم، جلاد وضحية، فالحريات السياسية والصحفية واي عمل مدنى عادى يعتبر من الجرائم ضد الدولة، ودوننا تكبيل الصحافة بقانون أمنى رادع فوق القوانين القمعية الأخرى كأنما الصحافة تجارة مخدرات أو غسيل أموال أو اغتصاب اطفال، الطريف انه قد نسب حديث لرئيس الجمهورية قبل يومين عن قادة جنوب السودان المتورطين فى جرائم ضد شعبهم وضرورة محاكمتهم جنائيا، وحقا فى الزمن المقلوب (أب سنينة يضحك على اب سنينتين)، ولا تسلني عن جبهة الثقافة والآداب والفنون فهذا زمان(بتدقا ياعبد الله)وكفى، ألم يكن الكحلاوي فايقا ورايقا وهو يخشى من صد الحبيب ومقابلة يوم باكر!