رشا عوض

رغم ان السياسة السودانية هي ساحة “اللامنطق” بامتياز، سنظل نطرح الأسئلة المنطقية أملا في أن “تتمنطق” سياستنا ذات يوم!

على سبيل المثال:

الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة السيد محمد عثمان الميرغني مشارك في حكومة ما يسمى بالوفاق الوطني وسابقاتها من حكومات البشير مشاركة كاملة الدسم منذ عام 2005، فما معنى أن يتبنى بعض  الاتحاديين مواقف معارضة للحكومة باسم ذات الحزب المشارك فيها  والذي لا يزالون أعضاء فيه ؟ المنطق يقول انهم يجب ان يستقيلوا أولا من الحزب ويتبرؤا من الميرغني وأبنائه ووزرائه!

لو كنا في نظام ديمقراطي مفهوم جدا ان تكون معترضا على مشاركة حزبك في حكومة ائتلافية مثلا ولكنك تستمر عضوا في الحزب رغم ذلك باعتبار أنك مؤمن بشرعية النظام القائم ، ولكن المشاركة في حكومة السودان  الحالية خيانة وطنية عظمى! لأنها فاقدة تماما لأي شرعية سياسية أو أخلاقية ولا تمتلك سوى شرعية القوة الغاشمة! ومن ثم فإن معارضة اي حكومة في ظل نظام الإنقاذ ليست مجرد خيار سياسي يجوز تبنيه من قبل البعض مع جواز رفضه من البعض الآخر كما هو الحال مع حكومات الأنظمة الديمقراطية!

معارضة نظام الانقاذ على اختلاف حكوماته هي”فرض عين” على كل حزب وكل مثقف وكل مواطن عادي يصنف نفسه “كديمقراطي”! لأن الالتزام بالديمقراطية  من بداهاته أن لا شرعية لأي نظام سياسي لم يأتي إلى السلطة عبر انتخابات عامة حرة ونزيهة في ظل تنافس حقيقي بين القوى السياسية المختلفة، وفي ظل بيئة سياسية وقانونية مستوفية لشروط الممارسة الديمقراطية والحكم الراشد من شفافية ومشاركة  ومساءلة ومحاسبة وسيادة حكم قانون ومؤسسات خدمة عامة قومية مستقلة وقضاء نزيه ومستقل وقوات مسلحة قومية تقف على مسافة متساوية من كل المكونات السياسية للبلاد، وبالتالي فإن أي نظام صعد إلى السلطة عبر انقلاب عسكري وأقام نظاما شموليا يظل فاقدا للشرعية مهما تلون وتفنن في إجراء الانتخابات الشكلية لزوم التجميل والتزييف، وأي حزب قبل على نفسه أن يلعب دور الكمبارس في مسرحيات النظام الشمولي مقابل مكاسب ذاتية لأفراد  هو حزب غير مؤتمن على الديمقراطية! وإن وجد في صفوفه ديمقراطيون ملتزمون فمن واجبهم اتخاذ موقف ثوري في مواجهته، وبما أن الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة الميرغني يفتقر للمؤسسية والديمقراطية وأخطر القرارات فيه تتخذ بعيدا عن ممثلي القواعد الجماهيرية فليس أمام الديمقراطيين الحقيقيين  فيه سوى الفرار بدمقراطيتهم بل بوطنيتهم إلى الشعب إذ لا شيء يجبرهم على الاستمرار في حزب خان الوطن قبل ان يخون عضويته وجماهيره!

العلاقة بأي حزب علاقة اختيارية طوعية يجب ان يكون استمرارها رهينا لشروط بعضها لا يقبل المساومة،والاخلال به ينهي العلاقة مع الحزب!

وفي ظرفنا التاريخي الراهن أعتقد ان الشرط الرئيس الذي لا مساومة عليه في انتماء”الديمقراطيين” للأحزاب هو موقف هذه الأحزاب من نظام البشير!

فالحزب الذي يتلجلج في المعارضة – مجرد لجلجة – غير جدير بالاحترام ناهيك عن الحزب الذي شارك وبارك واستوزر وقبض الثمن سرا وعلانية!

الحزب السياسي ليس أمك أوأبوك حتى تكون مجبرا على مصاحبته في الدنيا معروفا مهما انحرف وارتكب من الموبقات!

الحزب مؤسسة سياسية تنتمي إليها طوعا واختيارا على أساس أنها تملك أفكارا وبرامج هي الأجدى للارتقاء بالوطن وخدمة شعبه في اللحظة التاريخية لانتمائك، فمتى ثبت لك بالأدلة المحسوسة الملموسة أن الحزب اختار طريق هلاك الشعب وأنك غير قادر على انتزاع حزبك من الشرذمة التي وضعته في هذا الطريق ووظفته لمصالحها الذاتية المتعارضة مع المصلحة العامة فأضعف الإيمان أن تنتزع نفسك من منه انتصارا للوطن وللمباديء الديمقراطية.

ربما يتساءل البعض وهل يوجد في حزب مثل حزب الميرغني ديمقراطيون حقيقيون أساسا وهو حزب لا يعقد مؤتمراته العامة ولا يعرف معنى انتخاب ومساءلة القيادة ولا يخطر على بال أحد فيه طرح مبدأ تداول السلطة والولاء فيه على أساس طائفي؟

طبعا هذا سؤال مشروع جدا وينتظر إجابة تفصيلية من الذين ما زالوا في صفوف هذا الحزب وغيره  ولا سيما الشباب!

ولكن في هذا السياق لا بد من التشديد على أن شروط إقامة نظام ديمقراطي في دولة ما ليس من شروطه أن تكون كل الأحزاب ملتزمة  بالديمقراطية الداخلية على نحو شامل ونموذجي، فيمكن أن ترتضي جماعة ما من المواطنين الراشدين لأسباب تخصهم الانتظام في حزب طائفي أو عقائدي أفكاره  ونظمه الداخلية غير ديمقراطية، ولكن الشرط الابتدائي لإقامة النظام الديمقراطي في البلاد  هو تواطؤ الجميع بما في ذلك الأحزاب الطائفية والعقائدية على الالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية في الساحة السياسية العامة والقاعدة الأم هي” ان وسيلة اعتلاء السلطة السياسية هي التفويض الشعبي عبر الانتخابات الحرة النزيهة”.

وإذا فوض الشعب أناسا فاشلين فالوسيلة الوحيدة المشروعة للتخلص منهم هي إما حجب الثقة عنهم وإجراء انتخابات مبكرة  أو إسقاطهم في الانتخابات المقبلة بعد انقضاء الدورة الانتخابية فلا مكان للعنف أو الانقلابات العسكرية!

هذه هي الديمقراطية في حدها الأدنى التي لم يحتملها الإنقاذيون وانقلبوا عليها وأتبعوا هذه الجريمة بجرائم الدمار الشامل ضد كل بنيان مادي أو معنوي  في هذا الوطن المنكوب، ولذلك كل من شاركهم السلطة هو شاهد زور في تاريخ السودان حزبا كان أو فردا!!  

 وينبغي أن لا يفوتنا في مقام الحديث عن شروط نجاح الديمقراطية في السودان أن الاعتماد على “الحد الأدنى ” فقط وهو الالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية في الفضاء العام دون امتلاك الأحزاب السياسية الكبيرة والمؤثرة لمشاريع ديمقراطية حقيقية  يؤدي إلى إضعاف وإفشال نظام الحكم الديمقراطي كما تكرر لدينا في ثلاثة عهود،  ولذلك يجب ان يكون في صدارة أجندة نضالنا السياسي توطين الديمقراطية داخل الأحزاب”كفلسفة حكم وكثقافة سياسية” وهذه عملية تاريخية تحتاج لزمن وعمل صبور ودؤوب،  ومن شروط نموها وازدهارها حرية التعبير وحرية التنظيم وحرية العمل السياسي دون وصاية وقمع، وهذا يتطلب استعادة “الحد الأدنى” من “ديمقراطيتنا” التي سرقتها”الإنقاذ” منذ عام 1989م!

ما زال كثير من السودانيين يتطلعون لحكومات ناجحة في التنمية والخدمات وتيسير المعيشة دون اشتراط “النظام الديمقراطي” وتأسيسا على ذلك جاءت الانقلابات العسكرية تحمل وعود الإصلاح وتلتمس لنفسها المشروعية من اخطاء واخفاقات الأحزاب في العهود الديمقراطية، ولكن النظرة الفاحصة لرصيد تجربتنا الوطنية تثبت أمرين:

الأول: بما أن الدكتاتوريات حكمت السودان خمسين عاما من عمر الاستقلال البالغ واحد وستين عاما فإنها صاحبة السهم الأكبر في تخريب البلاد والمسؤولة عن التخلف الماثل بكل صوره وأشكاله فضلا عن أنها أهدرت حرية وكرامة الإنسان  يجب الكف عن تبرير الانقلاب على الديمقراطية بفشل الأحزاب! علاج فشل الأحزاب هو إصلاحها أو تكوين أحزاب بمستوى التحدي لا تقويض النظام الديمقراطي الذي أثبتت التجربة الإنسانية أنه الأكفأ لحفظ حقوق الإنسان ونجاح التنمية الاقتصادية والبشرية.

الثاني: واجب الأحزاب السياسية في بلادنا عندما يتم تفويضها ديمقراطيا للحكم أن تحسن التصرف في التفويض وتتحرى أقصى درجات المسؤولية حتى لا يكون فشلها حجة على النظام الديمقراطي، لا سيما أننا في بلاد فقيرة من حيث الوعي الديمقراطي ولذلك فإن توطين الرشد السياسي في الأحزاب من شروط توطين الديمقراطية.

ولا زال سؤال المرحلة يبحث عن إجابة: كيف السبيل إلى التخلص من نظام الاستبداد والفساد الحالي واستئناف حياة ديموقراطية في البلاد؟