التغيير : قرشي عوض

سلبت تعديلات القوانين وممارسات الاجهزة الامنية الحقوق التي يضمنها الدستور للأفراد والجماعات، خاصة قانوني الصحافة والعمل الطوعي اللذين ينتظران الاجازة.  واعتبرهما خبراء التقتهم “التغيير الالكترونية” بمثابة تدجين لهذه المجالات  لتعمل في خدمة السلطة.

واعتبر الاستاذ محمد الحافظ المحامي وجود قانون للصحافة يرتب عقوبات اشكالية في حد ذاته، لا نه  يتعارض مع حرية التعبير، ومع المادة 159 من القانون الجنائي التي تعطي الصحفي استثناء من العقوبات، وهو تقليد معمول به منذ الحكم الانجليزي الذي يستثني نقابة المحامين والصحفيين من العقوبات المتعلقة بالنقد في المسائل العامة.

واعتبر  ان ما يحدث للصحفيين تهريج سياسي بعيد عن سيادة حكم القانون. فالصحافة ينبغي ان تكون حرة كما في كل العالم،  وان الحديث في الخصوصيات الشخصية يعتبر جنوح يعاقب عليه القانون. وان أي قيد على الصحفي حتى لو انتقد المحكمة يعتبر تغول سياسي.  

وفي المحاماة هناك طعن وهذا حق مباح للصحفي.  وعالمياً لا يتم الحديث عن حصانة للصحفي لأنها اصبحت مفهومة،  يفترض ان تحميها النيابة قبل ان تصل المحكمة. وان الاصل ان لا تطبق الدولة القانون، ولكن ان تخضع له نصاً وروحاً. لان مجرد الحديث عن ديمقراطية الدولة كما ينص دستور السودان، يعني ان هناك قيم حاكمة تحد من تحركات الناس واداء الدولة ومنها حرية الصحافة،  في حين نجد القانون الجنائي بالمرصاد للصحفي  تحت النص العقابي. ويخلص الحافظ الى ان الصحافة لا يحكمها قانون،  ولكن تحكمها اخلاقيات.

  ويتفق مع هذا الرأي، الكاتب الصحفي الاستاذ حيدر المكاشفي الذي يمتنع عن الخوض في أي تفاصيل تخص تعديل القانون ويعتبر ان الصحافة تحاكم امام قاضي طبيعي .  وان وجود قانون للصحافة بلاقيمة ،   لان هناك قوانين تعلو عليه. وحتى الامن لا يعتبر نفسه متغولا ولكنه ينفذ قانونه، وان الصحافة تحاكم بأكثر من قانون، وفي مرة حوكمت بقانون الصحة العامة.  

ويخلص المكاشفي الى ان هناك اتجاه لتدجين الصحافة، و الذين يقفون خلف القانون لديهم فوبيا منها نظراً للدور الذي لعبته صحافتهم في تقويض الديمقراطية الثالثة(في إشارة لصحافة الجبهة الإسلامية).  وبالتالي فان الأمر لا يعدو كونه  مضيعة للوقت.  وحتى اذا تم التعديل ، مثل اعطاء بعض صلاحيات جهاز الامن لمجلس الصحافة ، فان ذلك لا يعني عدم تدخله، وسوف يفرض عقوباته اذا لم يقوم المجلس  بذلك نيابة عنه.

  ويعتقد الاستاذ جلال السيد المحامي ان القانون معيب ويفرض عقوبات، والهدف منه الغاء الصحافة ، ولذلك تقف كل الاتجاهات ضده بما فيها محسوبون على الحكومة ولا يعرف  من اصدره. واذا لم  يلغى يجب رفع دعوى دستورية ضده.

  ويشير الحافظ الى ان نصوص القانون معيبة وتتغول على حرية الصحافة.  واضاف  بان هناك ممارسات غير قانونية يقوم بها جهاز الامن، مثل تفتيش هاتف الصحفي، في تعارض صريح مع المادة 156 من القانون التي تنص على احترام الحقوق الدستورية للأفراد مثل الحق في الخصوصية، وتتعارض مع الشريعة الاسلامية و في ظل هذه الممارسات يصبح حتى القانون الجنائي منتهك.

وتنطبق نفس التجاوزات على العمل الطوعي من تعقب للناشطين وحصار وتجريم واتهام مسبق للمنظمات العاملة، في تجاوز للدستور وروح العمل الطوعي. والذي لا يجب ان يوجد قانون يحد منه،  ويعتبر مثل هذا الاجراء  باطل وفق المفاهيم الدستورية العابرة للقارات، كما انه يعطل العمل ويقيد المجتمع المدني،  ويؤكد ان المرجعية في البلد ليست قانونية ولكنها امنية(نسبة لجهاز الأمن). ويعتبر جلال السيد ان الاشراف بمثل اللجان المشار اليها يلغي العمل الطوعي، وان الاصل في اعتماد المنظمات هو الاخطار وليس التسجيل.

 وتتضح الروح المتوجسة من عمل المنظمات الاجنبية والمحلية استناداً لمصادر من داخل المنظمات رفضت ذكر اسمها او الاشارة الى اسم الجهة التي تعمل بها، في تأخير منح تأشيرات الدخول لممثلي المنظمات الاجنبية، مع انها    تريد ان تطمئن على اموالها، ووصولها الى الجهات المستفيدة، مما يدفعها في كثير من الاحيان الى تحويل الدعم الى دولة اخرى، لأنه محدود بزمن.  و ان القانون السابق والحالي يعطيان مفوضية العمل الطوعي حق التدخل في عمل المنظمات من حيث تعيين العاملين.  بل ان التقديم يتم عبرها، وانها في الغالب تقدم اوراق من تريد تعيينهم وان اوراق الكثيرين لن تصل الى تلك المنظمات.  و ان قيام ورشة يتطلب موافقتها وحضور ممثل لها،  وكذلك يتطلب اجراء بحث ميداني موافقتها ليس على الاجراء فقط، وانما على الاسئلة الموجهة للعينة.   كما انها تفرض على المنظمات الاجنبية،  المنظمات الوطنية التي تدخل معها في الشراكات،  وفي الغالب تكون  بلا خبرة او تجربة في مجال العمل .

ويضيف مصدر اخر ان قانون 2018  لا ينظم العلاقة بين المفوضية ومنظمات المجتمع المدني كما ينبغي له،  ولكنه يتدخل في شئون تلك المنظمات. وهو اصلاً لا داعي له في ظل وجود قانون الامن الوطني.  ومن ناحية فنية نجده يضع الاهداف الاساسية للمجتمع المدني مثل المراقبة والتدريب ورفع القدرات  في مرتبة متأخرة،  في حين يضع الاهداف التي يجب ان تقوم بها الدولة ويشارك فيها المجتمع المدني مثل تقديم العون والخدمات في مرحلة متقدمة. الى جانب انه يعطي المفوضية حق الاشراف على التمويل الاجنبي والمحلي وتوزيعه، دون مراعاة ان المنظمات التي استجلبت هذا الدعم يجب ان تكون شريكة في الاستلام والتوزيع حتى تطمئن على ان الاموال ذهبت الى مستحقيها،  وان التدخل في عمل المنظمات من التخطيط حتى التنفيذ، يسلب المنظمات خصوصيتها.  الى جانب ان اختصاص المفوضية بالتدريب يحرم جهات اخرى من هذا الحق ويجعل مخرجاته ضعيفة.  كما ان اختصاصات المفوض واسعة جداً وغير محددة،  وان شروط التسجيل سنوياً تعتبر تعجيزية، ويكفي ان تكون مرة واحدة على ان تتم مراجعة خطاب الدورة والميزانية سنوياً.  هذا الى جانب الغاء التسجيل اذا فشلت المنظمات في انجاز اهدافها خلال سنتين، دون تحديد لمعايير هذا الفشل.  كما ان تكوين فروع في الولايات يتطلب موافقة المفوض والسلطات الولائية دون توضيح، مما يجعلها عرضة للتقديرات الذاتية.

ايضاً شرط التسجيل وفق القانون الحالي يفتح الباب لأسئلة مشروعة حول مصير المنظمات القديمة والمسجلة وفق قوانين اخرى .

وتخلص تلك المصادر الى ان ما يمنحه الدستور من حقوق  في التعبير والتنظيم، تأخذه هذا القوانين، والتي سنت لتجفيف حريات التعبير والتنظيم وجعلها تعمل في خدمة السلطة.     

 يذكر أن السلطات الأمنية في السودان أغلقت عددا من منظمات المجتمع المدني منها: مركز الدراسات السودانية ومركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية ومركز الاستاذ محمود محمد طه الثقافي ومركز سالمة لمصادر ودراسات المرأة ومنظمة سودو ومركز تراكس للتدريب والتنمية البشريةوغيرها دون أحكام قضائية.