نبيل أديب

كُتِب هذا المقال قبل ما رشح من أنباء عن زيارة الرئيس لموسكو، وقد رأيت نشره بدون تغيير، لأنني لا أعتقد أن ما جاء فيه ستغيره منحنيات السياسة، فإن فعلَت ستبقى قيمته التاريخية فيما أعتقد.فقد كانت زيارة السيد نائب وزير الخرجية الأمريكي معلماً فيما يتعلق بالعلاقات المشتركة بين البلدين والتي يبدو أن الطرفين يرغبان في تطويرها لصالح الشعبين .

تغيير في الأيديولوجية

في بعض الأحيان، إذا داومت على ارتداء الحلل الكاملة لفترة طويلة جدا، فإن ذلك قد يغير أيديولوجيتك” جو سلوفو

“أي نوع من الأيديولوجية السياسية يشتمل على الكثير من الأنماط المختلفة” جون ماكي

لا شك أن هنالك تغيير في نظرة الحكومة السودانية لعلاقاتها الدولية، فوجود جزء من الطاقم الذي إستولى على السلطة في صباح 30 يونيو من عام 1989 طوال الفترة التي تلت هذا التاريخ، لا يجب أن تخفى عن أعيننا التغيرات الكبيرة التي إنعكست في السياسات التي تم إنفاذها طوال تلك السنين.

وأبسط ما يمكن قوله في هذا الصدد أن الحكم المؤسس على إنشاء دولة رسالية، والذي تم إعلانه بشكل تدريجي في الأعوام الأولى، لم يعد قائماً بأي شكل من الأشكال. وأن الحكومة التي تحكم السودان اليوم، تحدد علاقاتها الدولية وفقاً لمصالحها، دون أي محاولة لفرض رؤيا عقائدية معينة على غيرها من  الدول، ودون أن تحدد علاقاتها لتلك الدول بأي أرضية عقائدية معينة. حسناً قد يكون هنالك عزفاً منفرداً هنا وهناك، حول هذه المنظومة الآيديولوجية أو تلك، ولكنه لا يغير شيئاً من واقع البحث الجاد عن حلول واقعية في إطار مصالح very down to earth كما يقول الفرنجة.

وفقاً لهذا فلم يعد هنالك من يبحث عن دور في عذاب أمريكا الذي دنا، وأصبح البحث كله عن مشاركتها فيما تنعم به.

أنهت الحكومة في الماضي مرحلة مهمة في هذا البحث حين قررت  الإدارة الأمريكية رفع العقوبات على السودان. وهي مسألة كانت نتاج مباحثات مضنية إستفادت فيها الحكومة السودانية بالإضافة لمقدراتها التفاوضية، إلى جهد من جندت من المهنيين العاملين في إستخدام مهاراتهم الإقناعية لتغيير سياسات قائمة أو تدعيمها لصالح موكليهم lobbying.

عند صدور القرار قوبل بموجة من التفاؤل طالت حتى الجنيه السوداني، الذي تسلق على أسعار الدولار في ردهات سوق الخرطوم، فخفضها درجة أو درجتين نتيجة لذلك التفاؤل، الذي نبهنا في حينه إلى أنه مجرد خطوة، يجب أن تتلوها خطوات. وذكرنا على وجه التحديد

” أن ما تكشف عنه هذه التغييرات هو توقعات السوق بالنسبه لما سيحدثه رفع العقوبات ، أما اثره الحقيقي فيحتاج لبعض الوقت. ويتضح من التوقعات التي تظهرها حركة السوق أن السوق يشعر بالتفاؤل إزاء ذلك القرار وأنه يتوقع تدفق العملات والإستثمارات إلى السودان. وهو في تقديري توقع سببته الدعاية الحكومية التي إستخدمت العقوبات الأمريكية شماعة علقت عليها أخطاءها التي أدت إلى ذلك الإنكماش في الإقتصاد الذي يعيشه السوق السوداني.

لا يبدو لي أن لهذا التفاؤل أساس إقتصادي، فقد تم فرض العقوبات الإقتصادية على السودان في عام 1997 بقرار رئاسي يقضي بتجميد الأرصدة السودانية في أمريكا، ومقاطعة السودان تجاريا. بالنسبة للعلاقات التجارية فلم يكن وقتها هنالك علاقات إقتصادية قوية تربط الإقتصاد الأمريكي بالإقتصاد السوداني، فمنذ أن إشترى طيب الذكر جار النبي إستثمار شيفرون في السودان لم يعد هنالك أي إستثمار أمريكي يمكن إعتباره مؤثراً في الإقتصاد السوداني . أضف لذلك أن الإقتصاد السوداني، رغم تلك العقوبات، مر بتحسن ملحوظ وإنتعاش في السنوات التي أعقبت وقف إطلاق النار في الجنوب وصل إلى أعلى درجاته عقب توقيع إتفاقية نيفاشا التي شهدت حركة ملحوظة في الإستثمار، وظل الجنيه محافظاُ على قوته حتى إنفصال الجنوب في 2011، رغم بقاء العقوبات الإقتصادية على حالها.

أما أرصدة السودان التي جمدت فتبلغ 48.5 مليون دولار أمريكي، وسنرى حالاً أن رفع العقوبات قد يكلف السودان أضعاف هذا المبلغ”

هذا ما ذكرناه آنذاك من واقع بيان رفع العقوبات نفسه .

إجتماعان ورهطان

ما ذكره السيد نائب وزير الخارجية الأمريكي في الإجتماعين المتتالين صباح الجمعة السابع عشر من نوفمبر، لم يكن يختلف إختلاف نوع، وإن إختلف إختلاف مقدار، عن ما جاء في البيان الذي أصدرته الإدارة الأمريكية حين أعلنت قرارها برفع العقوبات . لذلك فإنني أعتقد أن ما ذكره السيد نائب وزير الخارجية لا يعدو أن يكون تكراراً لما ذكرته الإدارة بالفعل، حين قررت رفع العقوبات عن السودان، وإن كان قد تم تطويره بشكل يجعله أكثر وضوحاً. ربما كان الشيء الجديد في الخطاب هو إختيار الموقع، والذي تم بعناية تامة. فقد ألقى السيد نائب الوزير خطابين يشرحان معاَ سياسة حكومته في موقعين متجاورين: الأول في مسجد النيلين، وقد دعي لسماعه جمع ديني، والثاني في قاعة الشهداء بجامعة القرآن الكريم وقد دعي لسماعه جمع مدني.

في إعتقادي أن الحكومتين يرغبان في تحسين العلاقات، وأنهما أيضاً يعرفان العقبات التي تؤثر سلباً على العلاقات، ولكن المسألة في النهاية ترجع للإرادة السياسية المتصلة بإزالة تلك العقبات.

إختلاط القيم بالمصالح

من الجانب الأمريكي فإن إبعاد السودان عن محور الإرهاب هو أمر يشكل أولوية يكتسب معها التقارب مع حكومة السودان أهمية ذات وزن. وهذا يجعل من تحقيق وإستدامة الإستقرار السياسي في السودان يشكل أحد المصالح الحيوية للولايات المتحدة. ومن هنا فإن العمل على إنهاء الحرب داخل الحدود ( الحرب الأهلية ) وخارجها ( الحرب الدولية ) مطلباً من المطالب التي حملها نائب الوزير للحكومة وللرهطين في الموقعين المتجاورين. ولكن الإدارة الأمريكية ليست بالسذاجة التي تجعلها تتخيل أن هذا الأمر من الممكن تحقيقه بدون خلق الشروط الموضوعية اللازمة، ليس فقط للتوصل لإتفاقات سلام على الجبهات المختلفة بل أيضاً لجعل هذه الإتفاقات مقبولة ومستدامة، بحيث لا تترك وميضاً تحت الرماد سرعان ما يعود للإشتعال.

ومن ثم فإن الحريات العامة لا تصبح فقط مسألة قيم يؤمن بها المواطن الأمريكي، بل هي مسألة متعلقة أيضاً بالمصالح الأمريكية، والتي تتصل بإنهاء الأزمات التي أدت لها، والتي تدرك الإدارة الإتصال الوثيق بينها، أي الأزمات، وبين إحتكار السلطة.

التداول السلمي للسلطة هو مفتاح حل التوترات التي أنتجت كل تلك الحروب. ولكن التداول السلمي للسلطة ليس مجموعة ألفاظ يشملها الدستور، بل هو واقع معاش يقوم على إنهاء كل أشكال التمييز، ورفع كل القيود عن حرية التعبير، والتنظيم، والتعبير والتجمع، بالإضافة لترسيخ سيادة حكم القانون. ومجموع هذه الحريات هو ما نطلق عليه الحريات العامة. هذه المسائل بالنسبة للإدارة الأمريكية ليست مسألة إختيار فحسب، وإنما هي مسائل مرتبطة بإستقرار السودان والذي يشكل بالنسبة لها مسألة مهمة لتطوير العلاقات.

ما نرغب وما نستطيع

“السياسة هي فن الممكن” بسمارك

“الكثير من الناس من شدة تعلقهم بأشياء لا يمكنهم الحصول عليها، لا يمكنهم أن يفكرو فيما إذا كانوا يريدون تلك الأشياء حقا ” ليونيل شرايفر

هذا ما لم يذكره نائب الوزير، أما ما ذكره فهو يتصل بالقيم التي يؤمن بها المواطن الأمريكي، وهي أيضاً مسألة لا تستطيع الإدارة الأمريكية أن تبدو غير مكترثة بها . قد لا يكون الرئيس ترمب شديد الإعجاب بهذه القيم، ولكنه لا يستطيع تحديها. فقد جرب ذلك في الأسبوع الأول لتوليه الرئاسة، حين قرر حظر السفر لأمريكا على مواطني سبع دول من الدول ذات الأغلبية المسلمة، فتسبب قراره في سخط شعبي، وطعون في القرارات أسقطتها ودفعته للتراجع عنها . الثابت أن درجة إيمان الرئيس بهذه النتيجة، أو تلك أثره في سياسة أمريكا هو أثر محدود، فالرئيس هناك لا يتخذ القرار منفرداً، وإن جاز له أن يترنم به في حسابه في التويتر. ولكن أخذ القرارت يتم داخل مؤسسات تعمل ألف حساب للرأي العام الأمريكي، ولدرجة تعلقه بالقيم التي يقوم المجتمع عليها. ولذك فإن الحكومة الأمريكية لا بد لها من أن تعمل ألف حساب لتلك القيم. وربما هذا ما يعكس إهتمام الكونجرس بالحريات الدينية، وهو الأمر الذي دفع الإدارة لوضعها بشكل متميز في مجموعة الإصلاحات التي تطالب بتنفيذها على السياسات والقوانين .

بالنسبة لحكومة السودان فهي في حقيقة الأمر لا ترغب في التمسك بكل ما هو مطلوب منها التخلي عنه، وإن كانت ترغب في التمسك ببعضها.  ولكن الصعوبة  تأتي من البعض الذي ترغب في التمسك به، بالإضافة للجزء الذي لا تمانع في التخلي عنه، ولكنها لا تستطيع ذلك.

إصلاح القوانين

مسألة إصلاح القوانين لجعلها متلائمة مع الدستور تشمل كل المطالب التي رددها نائب الوزير الأمريكي على الجمعين، والتي لا أشك في أنه ذكرها أيضا للوزير غندور و لرهط الدبلوماسيين المحيطين به. وهي أصلاً مطلب لجمهور عريض من السودانيين، لا يقتصر فقط على أحزاب المعارضة، بل على أغلبية المجتع المدني. وهي مطالب تضمنتها اجزاء كثيرة من الوثيقة الوطنية، التي ضمت مخرجات الحوار الوطني، الذي دعت إليه الحكومة، وبصمت على نتائجه، وتعهدت بإنفاذها. إذاً ماهي المشكلة ؟ لقد ظلت هذه الحكومة، بأسمائها المختلفة، والتي تولت الحكم منذ عام 2005  عقب نفاذ الدستور الحالي، وحتى يوم الناس هذا، تتوجس من الحريات العامة المضمنة في الدستور، وتحاول تقييده بالقانون وبالقرارات التنفيذية، دون كلل أو ملل. ولعله من غرائب الأمور، أن الحكومة في نفس هذه اللحظات التي إستقبلت فيها السيد نائب الوزير الأمريكي وسمحت له بمخاطبة الرهطين كانت تدبر التضييق من حريتي التعبير والتنظيم، عن طريق مشروع تعديل لقانون الصحافة يحمل أحكاماً تجعل حرية الصحافة أثراً بعد عين، ومشروع قانون للمنظمات الطوعية والإنسانية، والذي يأتي على ما لم يجهز عيه قانون 2006.

إذاً فالواضح أن الحكومة لا تتوفر لها الإرادة السياسية لإجراء الإصلاح القانوني الذي طالبها به معارضون وأنصارها على السواء، فهل سترضخ للمطلب الأمريكي ؟ الظواهر لا تشير لذلك حتى الآن. فالحكومة لم تتفاجأ كما ذكرنا بما ذكره الوزير للرهطين، ولا بما ذكره للوزير غندور ودبلوماسيه، فقد ذكرت هذه المطالب الإدارة الأمريكية بوضوح في بيان رفع العقوبات. وهذا لا يعني بالطبع أن الحكومة عازفة عن تحسين العلاقات مع أمريكا، فهي لا تستطيع أن تتحمل كلفة ذلك، فها هو الدولار قد عاد لنهجه الأول في ممارسة القفز على الحواجز لتي يصطنعها له بنك السودان. ولا أعتقد ان الحكومة فعلاً ترغب في مواجهة ذلك بالإجراءات التي تم الإتفاق عليها في إجتماع القصر الذي وقع في الإسبوع الماضي، وأعلن أخذ المتعاملين في الدولار بالشدة التي تصل إلى مرتبة توقيع حكم الإعدام عليهم. وذلك لأن الحكومة تعلم أن إعدام المتعاملين في الدولار هو أمر لا تستطيع أن تقرره بإرادتها المنفردة، كما سبق لها وفعلت في عام 1989، لأنها الآن ملزمة بأن تثبت في حقه جريمة معاقب عليها بالإعدام امام محكمة محكمة مستقلة، في محاكمة عادلة. وحسبما نعلم فإن هذا أمر عسير إن لم يكن مستحيلاً. أضف لذلك كله أن الحكومة تعلم عدم جدوى هذه الإجراءات.

المسألة تبدأ وتنتهي في إحتكار السلطة، إذا توفرت للحكومة الإرادة السياسية في أن تقبل التداول السلمي للسلطة، و ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن تتنازل عن السلطة، بل يعني فقط أن تسمح للآخرين بالتنافس معها على السلطة، وذلك بإصلاح القوانين السائدة لتسمح لكافة الأحزاب ممارسة حقها في التعبير والتظيم، مع كل ما يتبع ذلك من حقوق .

الحريات الدينية

بالنسبة للحريات الدينية فلا أرى أي صعوبة في الإستجابة للمتطلبات الدستورية قبل مطالب الحكومة الامريكية في هذا الأمر. كون أن هناك نوع التضييق على حرية غير المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية، وفي حقهم في الإعتقاد، فهذه مسألة لا تحتاج منا لنقاش. يكفي هنا الإشارة لأمرين هما هدم الكنائس، وقرار وزارة التعليم بفرض إغلاق المدارس يوم السبت. فالأول قرار يمكن تفاديه، والثاني معلوم أنه قرار تمييزي لأنه يضع المدارس المسيحية في وضع غير ملائم عليها أن تختار بموجبه اما أن تظل مغلقة لثلاث أيام في الإسبوع، مما يجعل تغطيتها للمنهج الدراسي شبه مستحيلة، أو تفتح أبوابها للدراسة يوم الأحد، وهو يوم للعبادة لدى المسيحيين .

واقع الأمر هو أن السودان هو بطبيعة إسلامه الصوفي المعتدل، كان يمثل واحة للتسامح الديني في المنطقة، حيث كان الجميع يعيشون حياة من التعايش والجيرة لم تعرف ما يعكرها . ولكن العقود الأربعة الماضية شهدت موجات من التعصب الديني ترك أثراً، وإن كان مايزال محدوداً، إلا أنه أصبح ملحوظاً ومؤثراً . وقد تسلل هذا التعصب إلى بعض القوانين والممارسات التنفيذية أدت لمعاملة تمييزية في بعض الأحيان، وغير منصفة في أحوال اخرى. ولا أعتقد أن هنالك سياسة عامة تبنتها الحكومة في هذا الصدد، ولكن التجييش العاطفي الذي سلكه دعاتها لتسييس الدين، بحثاً عن التأييد الشعبي للحكومة، قد جعلها تغمض العين أحياناً عن ممارسات يقوم بها بعض التنفيذيين، لحاجتها لهم.

هذه المسألة في غاية الأهمية سواء دعا لها نائب الوزير أو لم يدعو، لأنها تؤثر سلباً على النسيج الإجتماعي للبلد، ولا يجب التسامح بشأنها . وهو أمر لا تجدي معه سياسة إغماض العين، ولا تجميع الأعذار، وعلى الحكومة مواجهتها، وحلها بشكل جذري، لأن رأي السودانيين بأغلبيتهم الساحقة من المسلمين هو ضرورة إحترام الحريات الدينية لغير المسلمين، دفاعاً عن طبيعة هذا البلد في المقام الأول،وعن دستوره في المقام الثاني. وستأتي مسألة العلاقات الدولية المتحسنة كرصيد إضافي للقيام بالواجب، فماذا ننتظر؟

نبيل أديب عبدالله

المحامي