فايز السليك

 لم يكن الجنرال سيمون بوليفار، موحد أمريكا اللاتينية متصالحاً مع نهاياته غير السعيدة عندما طلب منه طبيبه الخاص أداء طقوس الاعتراف قبل سبعة أيام من وفاته. وما كان يمكن لرجل مثل بوليفار الرضوخ للنهاية المحزنة المتمثلة في تفكك إمبراطورتيه ودنو أجله الشخصي، لذلك صرخ متسائلاً “ما هذا؟ هل حالتي سيئة الى الحد الذي يجعلك تطلب مني الوصية والاعتراف؟  كيف سأخرج من هذه المتاهة!”

 ولو أن قابريال قارسيا ماركيز قصد في روايته الشهيرة الجنرال في متاهته الأخيرة، سيمون بوليفار؛ إلا أن أهل الحكم في السودان هم الأقرب الى متاهة ماركيز.

ونظرة سريعة الى خشبة المسرح السياسي يمكن أن تصور لنا المشهد بعد طلب الرئيس المشير البشير من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحماية من (التصرفات العدائية الاميركية) عارضاً عليه إقامة قواعد عسكرية روسية في البحر الأحمر.

وتمثلت المفاجأة في عناصر التوقيت والمكان و الطلب، فالتوقيت جاء متزامناً مع حدوث انفراج نسبي في العلاقات مع أمريكا؛ والتي رفعت العقوبات الاقتصادية من السودان بعد عشرين عاماً، وبدأ سادة الخرطوم تفاؤلاً باقتراب انفتاح يضع السودان في مرحلة مصالحة لا مواجهة مع واشنطن وحلفائها في المنطقة مع إمكانية رفع اسم السودان عن قائمة الإرهاب لو حقق الشروط التي  وضعها نائب وزير الخارجية الأمريكي جون سولفيان فوق منضدة إبراهيم غندور الأسبوع الماضي بعد حفل غنائي راقص. وشملت الشروط الغاء جملة من القوانين المقيدة للحريات.

إلا أن الطريق لن يكون معبداً رغم إمكانية ذلك؛ فقد أكدت التقارير أن واشنطن ترغب في علاقة متوازنة مع الخرطوم، ويبدو أنها “تفضل” صيغة للتطبيع تضمن ” وجود إسلاميين” تحت السيطرة وتعديل القوانين والتمهيد لهبوط ناعم يمنح النظام تغييرا ولو شكلياً، وتكمن صعوبة المقترح  في أن الصيغة “لا تفضل” وجود البشير في الحكم في وقت تطرح فيه دول الإقليم صيغة ” لا تمانع” في استمرار البشير مع قطع خيوط تواصله مع الإسلاميين.

الخياران يحتاجان الى جرأة؛ لا سيما الخيار الأمريكي، وهو ما أراد البشير الرد عليه مباشرة بقوله ” نعتقد أن ما حصل في بلادنا نتيجة السياسة الأميركية. أما خيار دول الإقليم فلسوف يصطدم بتعنت الإسلاميين الذين ذاقوا حلاوة التمكين حتى طغوا في الأرض وتسربت قصص الفساد من مكاتبهم؛ فالبشير ذات نفسه ” إسلامي” ويحيط به إسلاميون في حله وترحاله.

  لذلك جاء طلب الحماية الروسية؛ مع التلميح الى توجيه بوصلة الخرطوم صوب طهران من جديد، وهذا الطلب يمكن أن ينسف كثيراً من مكتسبات الانقاذين التي بدأوا يجنون بعض وعود ثمارها من الخليج والتطبيع مع أمريكا. .

من الواضح أن البشير اتبع سياسة ” حافة الهاوية” عبر طلبه الحماية من ” العداء الأمريكي” والتهدئة مع ايران ودعم خيار بقاء بشار الأسد رئيساً في سوريا؛ ومضى الرجل مصعداً الأمور نحو أكثر الخيارات تطرفاً حتى يضمن بقائه على الكرسي ومعه من يريد من ” الإسلاميين”. “وحافة الهاوية” يقصد بها تحقيق مكاسب معينة عن طريق تصعيد أزمة معينة، وايهام الخصم بعدم الرضوخ وتقديم التنازل في القضية المعنية، وكان أول من ابتدعها هو وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر خلال الفترة من ١٩٥٣ الى ١٩٥٩ في عهد الرئيس ايزنهاور.

وبالطبع فأن هذا الخيار سيدخل البلاد من جديد في متاهة الاستمرار في قائمة الإرهاب والرفض الخليجي لتقديم أي دعم لإنقاذ الاقتصاد المترنح من السقوط الوشيك، وبعد ذلك ستكون المتاهة الحقيقية؛ فالروبل لن يسد خانة الدولار الأمريكي، وانشاء قواعد روسية لن يسقط تهم جرائم دارفور. وبلا شك هذه متاهة جديدة تشابه متاهة الجنرال بوليفار؛ والاثنان لا يعلمان أن ” الأوضاع سيئة الى هذا الحد”