الشفيع خضر سعيد

مؤخرا، أصدرت الحكومة السودانية مشروعا جديدا لقانون الصحافة والمطبوعات الجديد، أقام الدنيا وتركها واقفة حتى اللحظة! وكل من اطلع على القانون، خاصة من أهل الصحافة والقانونيين، كان يصرخ «كارثة». وشخصيا، لست من أهل القانون أو الصحافة، ولكن، وبحكم التجربة السياسية، صرخت مثلهم «كارثة»، بعد أن فرغت من قراءة التعديلات الجديدة، وزدت «حاجة غريبة، ولكن متوقعة»! ومن متن المقال سيُفهم لماذا قلت ذلك. لن أتناول المشروع الجديد من الجانب القانوني، ولا ينبغي لي، فهذا يُترك للمختصين، وسأحصر مناقشتي في الناحية السياسية.
أحيانا كثيرة، يتراءى لي أن السودان يدار بحكومتين، إحداهما علنية ومنظورة من الجميع، ولكنها محدودة النفوذ والإرادة، ومناط بها البهرجة وقص الشريط التقليدي هنا وهناك، بينما الحكومة الأخرى خفية تعمل خلف الكواليس، وهي التي تتحكم فعلا في إدارة البلد وتصدر ما شاء لها من قرارات، هي من صميم مسؤوليات وزراء وأفراد الحكومة العلنية، ولكن هؤلاء لا علم لهم بها، ويسمعون بها لأول مرة من خلال الإعلام، تماما مثلنا، الناس العاديين. فكم من وزير سئل عن قرارات خطيرة أعلنت في أجهزة الإعلام، فأجاب بأنه لم يسمع بها، وكم من مسؤول حاصره الصحافيون ليدلي بتوضيح حول موضوع هام داخل دائرة اختصاصه، فكان يتهرب، ثم يتمتم ويطنطن، وأخيرا يستسلم بأن لا علم له بالموضوع ولم يسمع به إلا من أسئلة الصحافيين. لا أود التركيز على موضوع الحكومتين هذا، بقدر ما أود فقط الربط بينه وبين مسألة تعديلات قانون الصحافة والمطبوعات، من خلال الأمثلة التالية:
أولا: في يوم الإثنين، 31 يناير/كانون الثاني 2011، عقد النائب الأول السابق، الأستاذ علي عثمان محمد طه، مؤتمرا صحافيا قال فيه عبارته الشهيرة “النظام الذي يخشى الحريات…لا مستقبل له»!. تلك العبارة أثارت عند البعض دهشة ممزوجة بالأسى، مثلما بعثت على السخرية وإشاحة الوجه عند آخرين، وذلك لأن الحديث جاء مباشرة، غداة يوم 30 يناير/كانون الثاني الدامي، الذي حصدت فيه قوات النظام، وفق الخطة (ب) المعدة سلفا كما قيل، أرواح الشباب والطلاب الذين تظاهروا في شوارع الخرطوم عزلا إلا من سلاح النوايا الطيبة، والعزم على رفض الذل والمهانة، والاعتقاد بأن الدستور يحميهم، ليواجهوا بعنف خائف مرتعب تماما من أي مساحة تتاح للحريات، حتى ولو كانت هذه المساحة صغيرة وهامشية. 
ثانيا: لأكثر من عامين، ظلت الحكومة تملأ فضاءات السودان والعالم، مبشرة بعهد جديد بعد إنجازها لمؤتمر الحوار الوطني، والذي نصت المادة 28 من توصيات لجنة الحريات والحقوق الأساسية، والخاصة بحرية التعبير والإعلام، على ما يلي: «لكل شخص حق التعبير الحر عبر وسائل الخطاب المعلن والنشر المكتوب والمسموع والمرئي، لبسط دعاويه وإيقاع ما يمثله عبر الرأي العام ومشاهد الجمهور. وذلك وفق قانون عادل يفصل فيه القضاء ليوازن بين حرية التعبير وحرمة عموم الأشخاص من الطعن للأعراض وإشاعة المفتريات»…. وظلت كل قمم الحكومة تقسم بأغلظ الإيمان أنها ستنفذ كل مقررات مؤتمر الحوار الوطني حرفا حرفا. ومعروف في كل الدنيا، أن مؤتمرات الحوار الوطني الناجحة، دائما يتبعها انفراج في الأجواء وبسط للحريات. وبناء على ذلك، كان المتوقع إزالة كل المواد المقيدة للحريات في قانون الصحافة والمطبوعات الراهن قبل التعديلات الأخيرة، والذي كان محل انتقاد واسع، داخليا وعالميا، وبسببه سجن صحافيون وصودرت الصحف ومنعت من الصدور، وكان وزير الإعلام يبشر الصحافيين بأن مقررات مؤتمر الحوار ستضمن في القانون، فإذا بالقانون الجديد بتعديلاته، أسوأ من أخيه، ولا علاقة له بمقررات مؤتمر الحوار. فمن أصدر مشروع القانون الجديد، الحكومة العلنية بوزير إعلامها الذي نراه يوميا، أم السلطة الخفية؟
ثالثا: عمليا، دخلت البلاد في أجواء الانتخابات العامة، المتوقعة في 2020. والجميع، بمن فيهم رسل المجتمع الدولي وممثلوه في البلاد، يتحدثون عن ضرورة تهيئة هذه الأجواء بتوفير المزيد من الحريات، خاصة حرية التعبير، حتى يناقش الجميع كيفية أن تأتي الانتخابات حرة ونزيهة، ويدخل ضمن هذه المناقشة التمسك بعدم تعديل الدستور. هذا الأمر، يتطلب توسيع مساحة الحريات الصحافية، بل إن أحد ممثلي المجتمع الدولي في البلاد صرّح لمجموعة من رجال الأعمال، بأن هذا التوسيع هو المتوقع، وأنه كان ضمن المناقشات مع الأمريكان في صفقة رفع العقوبات. ولكن، الذي حدث هو العكس تماما. 
يقال أن فولتير دشّن عصر التنوير بقولته الشهيرة: «مع كل اختلافي وتناقضي معك في الرأي فأنا مستعد أن أموت ليس من أجل رأيك، ولكن من أجل تمكينك من التعبير عنه». ويعلمنا، نلسون مانديلا، أيقونة النضال والصمود: «…وبينما سأجلس في كونو، قريتي، ويتقدم بي العمر ليضاهي عمر تلالها، سيظل يحدوني الأمل في ظهور جيل من الزعماء في قارتي وفي العالم، لن يسمحوا بأن ينكر على أحد حريته كما أنكرت علينا؛ ولا بأن يحول أحد إلى لاجئ كما حولنا؛ ولا أن يحكم على أحد بأن يجوع كما حكم علينا؛ ولا أن يجرد أحد من كرامته الإنسانية كما جردنا. وسأظل آمل أن تضرب نهضة افريقيا جذورها في عمق الأرض، وتزهر إلى الأبد، بصرف النظر عن تغير المواسم»….
ما الذي حدث يا ترى وجعل حكومتنا تصدر هذا القانون؟ هل يجري التدبير لأمر ما، يتطلب إعداده وتنفيذه قمع حرية التعبير، والحريات الصحافية بالذات؟ أم أن المسألة تتلخص في أن النظام الذي يخشى الورق والقلم هو نظام هش؟. أليست فعلا، هي «حاجة غريبة، لكن متوقعة»؟! نعم متوقعة، لأن هؤلاء يبدو أنهم لم يتعلموا من دروس التاريخ التي تقول إن التضييق على حرية التعبير، وخنق الأفكار والرأي الآخر، مهما طال واستطال أمدهما، فإن الفكر والرأي الآخر سيجدان لهما، في النهاية، طريقاً للتعبير والانبجاس وشق الصخر القاسي.