خالد فضل
مباشرة اتجه نائب وزير الخارجية الأمريكية في زيارته للسودان مؤخرا إلى تحديد بعض المواد في القانون الجنائي السودانى، تلك التي تتعلق بتجريم الحريات الدينية،مثل المواد التي تتحدث عن الردة والكفر والزي الفاضح، وهي في حقيقة امرها مواد مقيدة للحريات تحت مظلة المصطلح السياسي القح الذى تحيط به هالة لفظية هى الشريعة الإسلامية، وهنا يبدو السؤال الموضوعي عن الزمن الذى دخلت فيه لفظة الشريعة الإسلامية،فمثلا هل كان الرسول (ص) يحكم تحت ذاك المسمى، وهل كان عمر بن الخطاب يؤكد فى خطاباته الجماهيرية عند افتتاح كبرى فى المدينة المنورة بأنه لن يتنازل عن الشريعة وان الفرس والروم تحت جزمته، أو إذا رضيت عنه بيزنطة فاليتاكد سكان الأمصار الإسلامية بأنه قد تخلى عن الدين الإسلامي؟ الأمريكان وغيرهم من الناس فى مختلف أصقاع المعمورة يقرأون التاريخ ويحللون وقائعه، وحركة البحث العلمى الحرة والطليقة من قيود الإرهاب الفكرى والديني ترفد صناع القرار بالاراء الصائبة والمعارف الثرة حول ماضى وحاضر ومستقبل الوجود البشرى على سطح الأرض، ولذلك ليس غريباً أن يكون فهم ورؤية الرئيس الأمريكي الاسبق بل كلينتون تطابق تقريبا ماطرحه الرئيس السابق أوباما فى محاضرته بجامعة القاهرة على بواكير تسلمه للسلطة منتخبا، وهى ذات المفاهيم التى انطلق منها موقف نائب وزير الخارجية الأمريكي الحالى فى كلمته بإحدى قاعات جامعة القرآن الكريم. 
الرئيس الأمريكى الأسبق كلينتون كان قد استلم أوراق اعتماد المرحوم أحمد سليمان المحامي كسفير للسودان فى بلاده فى السنوات الأولى لانقلاب الجبهة الإسلامية القومية، وقد اشتكى السفير من أن حكومة امريكا تناصب حكومة بلاده العداء بسبب توجهاتها الإسلامية واعتمادها الشريعة كقانون للحكم، كان رد الرئيس كلينتون عاقلا ومنطقيا مفاده، سيدي السفير إن عدد المسلمين فى أمريكا يفوق عدد المسلمين فى بلادكم، ولم يشك أحد منهم من انتهاك حقوقه أو التضييق عليه، إن مشكلة إدارتنا مع حكومتكم تتمثل فى أن حكومتكم تقود حرباً ضد شعبها (الإشارة كانت إلى حرب الجنوب وقتذاك)، كما أن نظامكم قد انقلب على الديمقراطية ووأد الحريات، كما مارس أسوأ الانتهاكات لحقوق الإنسان، هذه هى نقاط الخلاف وهى نقاط لاتمت الى الطنطنة التى تبثها الدعاية الكذوبة حول استهداف الإسلام. وقد جاء الرئيس أوباما بعد حوالى عقد ونصف من حديث كلينتون ذاك ليذكر المسلمين كافة بأنه يعرف الإسلام ولا يجد أثرا له فيما تزعمه الحركات والحكومات الإسلامية فى منطقة الشرق الأوسط الآن،وأذكر هنا أن وفدا ضم عدد من المشايخ السودانيين وبعض زعماء القبائل على رأسهم صاحب الاعمال والمشاريع الكثيرة عصام الشيخ،كان قد زار امريكا قبل نحو عامين وقد قيل فيما بثته الوسائط الإعلامية المحلية الموجهة من جهاز الأمن أن تلك الزيارة بغرض حس الإدارة الأمريكية على رفع العقوبات عن السودان، وقد استمعت الى مغنية تغني اغنية تمجيد ومدح لعصام الشيخ باعتبار أن أمريكا قد سمعت رأيه! فى الحقيقة جاء الخبر اليقين حول ملابسات تلك الزيارة من لدن القائم  بالأعمال الأمريكي فى الخرطوم، بأن غرض الزيارة هو تعريف هؤلاء القادة المحليين بأسس العيش المشترك بين مختلف الأديان وفى التجربه الأمريكية خير برهان،وليس من رأى كمن سمع بكل تأكيد.
على هذه الخلفية يمكن قراءة مااشار إليه المسؤول الأمريكي مؤخراً، وتحديده لبعض مواد القانون، باعتبار أنه ليس من المعقول والمنطقى الحديث المجانى عن كفالة حقوق الإنسان والالتزام التام بالمواثيق والعهود الدولية فى هذا الشأن، والتبجح بأن الحريات الدينية مكفولة ومتاحة (على قفا من يشيل)، بينما فى نصوص القانون الحاكم عقوبة على الردة عن الإسلام أو الكفر به، والعجب العجاب فى إقحام مادة عن الزي الفاضح، كأنما من ضمن أحكام الشريعة(ترزي ازياء نسائية)، هذه هى المحكات التى ينكشف فيها زيف مايسطره المستبدون من ادعاءات فارغة، ومايملاون به الفضاء من ضجيج مشفوعا بهالة من القداسة لمصطلح سياسي فضفاض اسمه الحكم بما أنزل الله، أو المزايدة كما يرد دائما على السنة فقهاء السلطة والإرهاب باسم الدين الذين يعتبرون الشريعة خط أحمر، عبارات يطلقونها هكذا فى الهواء لزوم تخويف البسطاء وتغبيش وعيهم وصرفهم عن ملاحظة ومتابعة مايمارسه الحكام الفاسدون وأعوانهم من جوقة المطبلين.
الإسلام كمعتقد دينى يجد الإحترام والتقدير فى كل المجتمعات الديمقراطية التى شريعتها الحقيقية الحريات وصون حقوق الإنسان، قبل يومين وفى إحدى مشافي العيون الخاصة والمشهورة فى الخرطوم، سمعت أحدهم يروى لزملائه الموظفين فى أحد المكاتب حكاية شخص يبدو أنهم يعرفونه خلاصتها انه سافر من السعودية الى الدنمارك أو السويد وعمل هناك فى مهنة ساعي بريد، وقد أصيب بالتهاب ونزلة برد شديده لأنه كان يخرج من السبارة المدفاة ليضع حاجيات مستخدمي البريد فى صناديقهم عند أبواب منازلهم وقد قرر الأطباء انه تعرض لذلك الالتهاب الحاد خلال المسافة بين الدفء والبرد ومنحوه اجازه مفتوحة لمدة خمس سنوات حتى يضمنوا شفاءه الكامل وقد التزمت شركة البريد بالتقرير الطبى ومايزال الرجل يتقاضى مرتبه كاملا. هل سمعتم ذات يوم أن رئيس السويد أو الدنمارك قد قال بأنه يحكم بالشريعة وخط أحمر وغيرها من الخزعبلات التى تملأ فضاء بلادنا! قلنا أن الإسلام محترم عند من يحترمون حقوق الإنسان لأن حق الاعتقاد حق أصيل لكل فرد،بينما ذات الإسلام مبتذل ويستخدم ككرباج للقمع والارهاب عند من يهدرون وينتهكون حقوق الإنسان من حكام القهر والقمع فى بلاد المسلمين، وتلك هى المفارقة التى لم تعد تنطل على أحد فى عقله ذرة من رشد.