التغيير : دارفور 
لم يكن يتوقع احد قط ان تكون النهاية بهذه الطريقة الماساوية والمذلة لزعيم الجنجويد الذائع الصيت في دارفور موسي هلال وهو يظهر حاسر الرأس دون عمامته الشعيرة ومقيدا بالأغلال بعد ان تم إلقاء القبض عليه في معقله الحصين في مستريحة بولاية شمال دارفور من قبل قوات الدعم السريع التي تكونت بذات الطريقة التي كون بها قواته. 
ذلك ان هلال الذي شغل الدنيا والنَّاس في بداية ازمة دارفور في العام 2004 عرف بقوته وجبروته عندما استعان به الرئيس السوداني عمر البشير للقضاء علي المتمردين ، فادخل الرعب في قلوب المواطنين والأبرياء عندما ارتكبت قواته ابشع الجرائم والانتهاكات من قتل واغتصاب للنساء وحرق للقري في معظم ارجاء الاقليم حتي ان منظمات دولية واقليمية معنية بحقوق الانسان طالبت بإدراجه ضمن لائحة المحكمة الجنائية الدولية للمتورطين في اعمال الإبادة الجماعية في الاقليم والتي شملت الرئيس البشير نفسه وغيره من كبار المسؤولين في الدولة. 
ومع مرور الزمن تمددت سلطاته وصلاحياته بعد ان اصبح وزيرا في الحكومة السودانية وعضوا في البرلمان، وزاد طموحه السياسي والاقتصادي وأصبح خارجا عن سيطرة حكومة البشير التي صنعته وصار يتحداها ويخرج عن سلطانها خاصة بعد ان وضع يده علي جبل عامر الممتلئ بالذهب بعد ان قتل الالاف من الاشخاص  حتي ان تقريرا أمميا صدر في العام الماضي  قدرت ثروته  باكثر من 54 مليون دولار عن طريق استخراج الذهب من هذا الجبل وتم وقتها فرض عقوبات اممية علي استخراج الذهب . 
لكن هلال، وبالرغم من سطوته سقط في أيدي قوات محمد حمدان حميدتي الذي يمت له بصلة القرابة- الاثنان ينحدران من إثنية واحدة تعتبر الاقوي والأكثر نفوذا في دارفور في الوقت الحالي – ، دون مقاومة تذكر بالرغم من وجوده وسط قواته التي تقدر بالالاف. 
وفي هذا الصدد يقول احد المقربين من هلال ” للتغيير الالكترونية” انه سقط نتيجة لوجود مكيدة نصبها له مقربون منه.  واضاف بعد ان فضل حجب هويته ” الزعيم موسي لن يستسلم بهذه السهولة وخاصة لحميدتي لما بينهما من تنافس شديد .. كان هنالك اتفاقا للتهدئة ووثق هلال بالأمر لكن تم الغدر به داخل منطقته وقبض عليه بعد ان تم قتل العديد من الاشخاص من قبل قوات حميدتي”. 
ويبدو ان صفحة موسي  في احداث دارفور قد انطوت بعد ان تم إيداعه في احدي الزنازين التابعة للجيش في الخرطوم ولكن في المقابل فان صفحة حميدتي قد فتحت للتو، وان أهالي دارفور علي اعتاب مرحلة جديدة سيكون أسطورتها قائد قوات الدعم السريع. 
ودشن حميدتي مرحلته الجديدة بالهجوم الكاسح علي هلال بعد ان وصفه ” بالشيطان الرجيم” خلال مقابلة تلفزيونية عقب يوم من إلقاء القبض عليه بواسطة قواته. وقال في ذات المقابلة التي بثت علي الهواء مباشرة انهم سيستمرون في حملة نزع السلاح ” وفرض هيبة الدولة” دون تردد. وأرسل رسائل الي القوات العسكرية والأمنية الاخري في دارفور بِمَا فيها القوات المسلحة والمخابرات مفادها ان مصير هلال سيكون مصير اي جهة او شخص يقف امام الحملة ” رسالتنا دي للجميع بِمَا فيها القوات النظامية وأي زول ما بينصاع لينا حا نحسموا”. 
فعليا، وعلي الارض ، فان لحميدتي اليد الطولى الان في دارفور بانتشار قواته المدربة بشكل جيد في معظم ارجاء دارفور ، وخلال زيارة الرئيس البشير  الاخيرة للإقليم في سبتمبر الماضي منحها صلاحيات أوسع من التي كانت لديها اصلا بعد ان وصفها ” بمخزونه الاستراتيجي” وانها مستعدة لكل مهمة يتم تكليفها بها. 
وتعيد وضعية حميدتي حاليا  الصورة للأذهان عندما منح البشير صلاحيات لهلال  في العام 2004 بعد ان اخرجه من السجن من بورتسودان بفعل أي شي من اجل القضاء علي التمرد الذي كانت له اليد الطولي في المناطق العسكرية وقتها. 
ويقول الخبير في شؤون دارفور ادريس الدومة ” للتغيير الالكترونية” انه وبعد مرور 15 عاما علي الازمة يبدو ان التاريخ يعيد نفسه وبشكل قبيح. واضاف ” بعد ان عاني اهل دارفور من الفظائع التي ارتكبها موسي هلال هاهم الان يكتوون بفظائع قوات حميدتي ويؤسفني القول ان علي الاهالي ان يستعدوا لفترة اصعب واقسي من عهد هلال .. حميدتي وقواته يفعلون كل الانتهاكات وفقا للقانون وبدعم كامل من البشير”. 
واتهمت قوات الدعم السريع التي يقودها حميدتي  من قبل الامم المتحدة ومنظمات حقوقية ونشطاء وأحزاب سياسية معارضة بارتكاب انتهاكات واسعة في المناطق التي تقاتل فيها وتشمل القتل غير المبرر ، والاغتصاب ، والسرقة ، وحرق القري وغيرها من الانتهاكات.  
وتتألف هذه القوات   والتي كانت اصلا تعرف بالجنجويد من اكثر من 60 الف عنصر معظمهم يتبعون إثنيات محددة في اقليم دارفور  وتم تسليحها بالاسلحة الخفيفة والمتوسطة مثل البنادق والمدافع الصغيرة وسيارات الدفع الرباعي ، وتم تأطير وضعية حميدتي  والذي منح رتبة اللواء  في جهاز الامن والمخابرات الوطني بعد ان تمت ايلولة هذه القوات الي الاجهزة الامنية وأصبحت لها نفوذ واسع اثر منحها صلاحيات واسعة بعد تعديل الدستور.  
 واضطر الرئيس السوداني عمر البشير الي الاستعانة بهذه المليشيات القبلية لمواجهة حركات دارفور المتمردة بعد ان فقد الجيش السوداني – بعد إهماله – السيطرة علي العديد من المناطق في دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق. ومع قدرتها علي تحقيق الانتصارات تلو الاخري في اقليم دارفور الذي يعرف افراد المليشيات هذه طبيعتها جيدا ، بدا البشير في توسيع صلاحياتها ونفوذها ومنحها مزيدا من الاموال والعتاد العسكري.
كما تم افتتاح مكاتب ادارية  ولوجستية لهذه القوات في العاصمة الخرطوم وفي أماكن استراتيجية بعد ان ظل يتم التعامل معها في دارفور. وبدات السلطات في تحسين صورة حميدتي التي عرفت بالعنف والقتل من خلال تصويره علي اساس انه رجل بر وإحسان بعد ان تبرع وأشرف علي افتتاح عدد من المساجد في الخرطوم وغيرها ، بالاضافة الي توسطه بين القبائل المتنازعة في دارفور ودفع الديات الناتجة عن النزاع القبلي. 
ويتوقع  الدومة ان تزيد سيطرة حميدتي اكثر علي مفاصل الحياة في دارفور بالرغم من الاعتراضات المبطنة للقوات المسلحة وجهاز المخابرات علي اطلاق يده في كل شي ” هذه الاعتراضات لا قيمة لها لان مقاليد الامور بيد البشير وهو الذي اختار حميدتي وموله ومنحه كل ماهو عليه الان .. بل انه وحتي في التحركات العسكرية فان التعليمات المباشرة تأتي من البشير لحميدتي دون اي وسيط”.