فايز السليك 

“من أنا؟ أمتشائم أنا أم متفائل؟ أقوم في الصباح من نومي فأحمد الله على أنه لم يقبضني في المنام. فإذا أصابني مكروه في يومي أحمده على أن الأكره منه لم يقع، فأيهما أنا: أمتشائم أنا أم متفائل”. هذه كلمات فسرت مفردة ” المتشائل التي وردة في رواية للفلسطيني أميل حبيبي، وشخصياً تجدني مغرماً بهذه الفكرة فكررتُ توظيفها أكثر من مرة في مقالاتي السياسية.

 وهو أقرب إلى حالنا في السودان حيث يرى المعارضون أن فترة عامين ونصف أمر جيد لكي نسدل الستار على مرحلة حكم المشير عمر البشير؛ لا سيما بعد إعلانه عدم ترشحه لدورة رئاسية أخرى في الانتخابات المحدد لها عام ٢٠٢٠، ويرمي البشير الكرة في ملعب المعارضة وفي داخل حزبه، ويحتدم الجدل حول إصرار البشير على موقفه أم أن الموقف لن يختلف عن موقفه انتخابات ٢٠١٥؟  أوليس منحه عامين أفضل من استمراره بقية عمره حاكماً؟ وهل الأفضل بكري أم غيره؟

 لقد طفا حديث الانتخابات على السطح وبدأ الجدل جدياً حول كيفية مشاركة القوى المعارضة في العملية؟ وهل الخيار الأفضل هو الالتفاف حول مرشح واحد أم أن الحرية تقتضي ترشيح عدة مرشحين لسباق الرئاسة؟

ولو أن القوم قرأوا كتاب ” أسلحة صامتة لحروب هادئة” للفيلسوف الأمريكي نعوم تشاموسكي لأدركوا أن “الانقاذ” تستخدم استراتيجيات تتبعها كل النظم المستبدة السيطرة على الشعوب؛ وسبق أن أشرت في مقال سابق إلى سياستي الالهاء وخلق المشاكل وإيجاد حلول لها، وتبين ذلك في أزمة الدولار ورفع أسعار السلع في الموازنة الجديدة.

أما بالنسبة لعملية الانتخابات فسوف يستخدم النظام سياستي ” التدرج والتأجيل” بإعلان المواقف عبر عدة مراحل حتى يتم اتخاذ القرار المطلوب؛ فترشيح البشير سيُّقدم على جرعات؛ بدأت بإعلانه عدم رغبته في الترشح لدورة جديدة، ليعقب ذلك دعوات تعديل الدستور، ثم حملات الترشيح القبلية والولائية حتى تصل مرحلة أندية الرياضة والفن.

 وبين التدرج والتأجيل يستخدم النظام خطاباً عاطفياً  لا يحترم العقول على طريقة ” أن الوضع الطارئ الذي نحن فيه يحتاج الى رجل محدد”،ومثلما يقول  جوستاف لوبان في كتابه المثير للجدل ، سيكولوجية الجماهير ” حين تكون السلطة غير منطقية, أو غير شرعية, أو استبدادية, أو فرعونية, حينئذ تسود ديناميات مرضية مثل الكذب والخداع والنفاق والعدوان السلبي واللامبالاة من جانب الجماهير, بينما تتعامل السلطة مع الجماهير بازدراء وشك وتوجس, وترى أنها غير جديرة بالتحاور والتشاور وإنما تساق بالعصا. وإذا وصفنا نمط هذه العلاقة بمصطلحات علم النفس نقول بأنها علاقة بين والد ناقد مستبد وطفل يميل إلى العدوان السلبي. وهذا الطفل العدواني السلبي ينتظر اللحظة المناسبة لينقض على الوالد الناقد المستبد ليتحول بذلك إلى طفل متمرد. وبالتعبير الشعبي الدارج نصف هذه العلاقة بأنها علاقة القط والفأر”

لا أرى فرقاً بيننا وبين سعيد أبي النحس المتشائل الذي تكون محطات خيارته محصورة بين ” المكروه والأكثر كرهاً؟  أي انتظار العامين وعدم تعديل الدستور ؟  وهذا يؤكد استسلام المعارضين التام وتجميد بقية وسائل المقاومة والعمل من أجل التغيير بطرق ووسائل المعارضة والشعب قبل انتهاء العامين والعمل وفق أجندة النظام؛ مع أن الأمور كثيراً ما تتغير وفق ظروف ومعطيات جديدة، وأن الأحداث قد تسبق الجميع.