خالد فضل

مع استبعاد فرضية تأثير الفودكا الروسية الشهيرة،إذ أعتقد أن الرئيس البشير لايتعاطى الكحول والمسكرات، فإن التصريحات التي أدلى بها فى زيارته لروسيا، قد تعبر عن حالة سياسية وفكرية مضطربة وسمت للامانة سنوات الحكم الطويلة للبشير، الذى يبدو فى بعض الأحيان وكأنه يتسلى بالحكم أكثر من أخذه بحقه، كما أن تصريحاته فى معظم زياراته الخارجية تشكل مادة للتداول الاعلامى، وتمثل حافزاً لكم هائل من السخرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سمة أخرى ظاهرة فى هذه التصريحات هى ارتباطها بالمكان الذى قيلت فيه، ففى إحدى زياراته لدولة الإمارات العربية المتحدة قبل فترة قصيرة أطلق التصريح المشهور والذى تبرأ فيه من اى ارتباط يجمعه بالتنظيم العالمى للإخوان المسلمين، كان ذلك التصريح ملائما للمكان والزمان الذى قيل فيه، فقد أعلنت دولة الإمارات وقتها حربا لاهوادة فيها ضد ذلك التنظيم باعتباره تنظيما إرهابيا مثلما فعلت ست دول عربية عند قطعها لعلاقاتها الدبلوماسية مع قطر على خلفية اتهام الأخيرة بدعم الإرهاب وزعزعة أمن واستقرار المنطقة، كما أن مدير مكتب الرئيس السابق طه عثمان كان قد أعلن قطع العلاقات مع إيران تضامناً مع السعودية التى كانت قد قطعت علاقاتها مع إيران فى وقت سابق، واللافت فى أمر ذلك القرار أن أول جهه بثته كانت وكالة الأنباء السعودية، وقد شاع فى الأوساط الصحفية السودانية أن وزارة الخارجية لم تكن تعلم بذلك القرار وقد سمعته مثلها مثل عامة المواطنين. الآن فى حضرة بوتين أو فى (حماه) تبدو تصريحات البشير متناغمة مع المواقف الروسية فى المنطقة، فالمعروف أن روسيا تحتفظ بعلاقات جيدة مع نظام الملالى فى ايران، كما تعتبر الداعم الرئيس لنظام بشار الأسد فى سوريا، بل تخوض فى الحرب الدائرة هناك الى جانبه، فجاءت تصريحات البشير تدعو الى علاقة مع إيران على عكس المواقف السعودية المتشددة ضدها، ومؤيدة لنظام بشار الأسد الذى استضافت الرياض مؤتمرا لمعارضيه مؤخرا، فيما وصف ولى العهد السعودي مرشد الدولة الإسلامية فى ايران ب(هتلر)،وأن أي حل فى سوريا يبدأ بذهاب الاسد، علماً بأن التماهي مع المواقف السعودية من جانب نظام البشير بلغ حد الزج بوحدات من الجيش السودانى فى حرب النظام السعودى ضد الحوثيين فى اليمن، وهو أمر غريب علي الجيش السوداني الذى لم يخض حروبا خارجية للدفاع عن السودان منذ الاستقلال، وكل خبرته الطويلة فى الحرب، والنياشين والأوسمة التى تزين صدور بعض قادته تم اكتسابها من خلال الحروب الأهلية الطويلة بين السودانيين أنفسهم، لذلك كانت المشاركة فى حرب اليمن حدثا جديدا وهو يدل كما أسلفنا على التبعية التى أظهرها نظام البشير مؤخرا للسعودية ودول الخليج وقد نبه السفير السعودي بالخرطوم فى لقاء مع صحيفة سودانية قبل فترة أن على الحكومة السودانية أن تتخذ موقفا واضحاً فى النزاع السعودى القطري، لأن سياسة الحياد التى يظهرها نظام الخرطوم لاتنفع، فما الجديد فى الامر عند زيارته لموسكو؟ لقد جاءت زيارة البشير لموسكو بعد مرور بضعة أسابيع على قرار الإدارة الأمريكية رفع العقوبات الاقتصادية التى ظلت مفروضة على نظامه منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، ومثلت فزاعة ظل يستخدمها النظام باستمرار لمداراة فشله التام فى ادارة الشأن العام فى البلاد، أو تحقيق أى قدر من الاستقرار والتقدم فى مختلف مناحى الحياة، ولكن يبدو أن الخلل الهيكلى فى النظام السودانى نفسه هو السبب الرئيس فى الواقع المزرى الذى يعيش فيه السودانيون طيلة أعوام الرمادة الانقاذية، فها هي العقوبات قد رفعت، فتدنت على إثر ذلك قيمة العملة المحلية، وبينما انتهت حجوة الذهب الذى تنتجه شركة (سيرين) الروسية الى انهاء التعاقد معها دون أن تنتج أطنان الذهب التى قيل يومها أنها ستحل أزمة البلاد الاقتصادية، وقد نضبت الأراضي الشاسعة التى كان يمكن اغراء الروس بها وتقديمها لزوم كسب الود كما فعل نظام البشير مع السعودية ودول الخليج حيث ظلت مزارع إنتاج العلف تقدم لتلك البلدان بزعم الاستثمار الزراعى، فى هذا الوقت الذى يصرح فيه نظام الخرطوم بفخر عن توثيق علاقاته الاستخباراتية مع ال(C I A) حد انشاء أكبر مركز لها فى الخرطوم، لم يبق أمام البشير سوى تقديم هديته الى روسيا بدعوتها لإقامة قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، لحماية السودان من العدوان الأمريكي المتوقع، والذى يهدف الى تقسيم السودان الى خمس دول حسبما قال الرئيس البشير، لكن السؤال البديهى هل ياسى البشير. لانقسام اى جزء من السودان؟ لقد كان الجنوب عبئا عليه كما قال يوم انفصاله، فلماذا لاتكون دارفور كذلك ومثلها جبال النوبة والنيل الأزرق وربما الشرق الجديب؟ قلنا إن الرئيس يتسلى بالحكم لأنه لو كان ياخذه بحقه لتحمل هو ونظامه المسؤولية عن الأوضاع التي توفر كل المعطيات لأي جزء في السودان للمطالبة بالانفصال، هذا هو الواقع الذى لن تحميه روسيا وإن حمت نظام البشير من السقوط، ولكن مهلا هل تحول النشيد المحبب للبشير من فى حماك ربنا الى في حماك بوتينا؟.