د.النور حمد

التدين الزائف يقود إلى الصلف، والغرور، والاعتداد بالنفس، والتدين الحق يقود إلى التواضع والمسكنة. والمسكنة هنا، لا تعني بساطة الفهم، كما في التعبير العامي، أو الفقر المدقع، كما في التعبير الديني، رغم أن هذين المعنيين، من المعاني، اللغوية والاصطلاحية، لكلمة “مسكنة”. المسكنة التي أعني هي الشعور بالضعة والالتصاق بالأرض، نتيجةً لاستشعارٍ عميق بعظم ملكوت الله. وتقابلها في الإنجليزية كلمة humility.

مشكلة من يسمون بـ “الإسلاميين”، منذ أن ظهروا في الفضاء العام؛ السوداني، وغير السوداني، هي تنكب جادة الحكمة. فقد نشأوا على الاعتقاد الأصم بأنهم وحدهم الذين يملكون مفاتيح المستقبل، وكانوا في هذا الشعور، ميكافيللين حقيقيين، يؤمنون إيمان العجائز، أن الغاية تبرر الوسيلة. صرفهم صلفهم وغرورهم الديني الزائف، عن أن يفحصوا أنفسهم فحصًا دقيقًا، ليقفوا على قصور معرفتهم، وضعف روحانيتهم، وعلى عموم معايبهم، التي تجل عن الحصر، فيتواضعوا، من ثم، ويمدوا أيديهم لغيرهم، تلمسًا للمخارج والحلول. لكنهم كانوا مستغنين بذواتهم المتضخمة عن عون الناس. والمستغني بذاته عن عون الناس، هو، بالضرورة، مستغنٍ بذاته عن عون الله، وإن لم يشعر. ومن لا يكون الله معه، فهو المنبت الذي قيل عنه أنه “لا أرضًا قطع، ولا ظهرا أبقى”.

هذا النوع من الصلف والغرور المُصمت، المتدثر بثوب الدين، نقيضٌ للحكمة. فصاحبه لا يملك إلا أن يكون أرعنًا ومستبدًا، بل وعنيفًا، يستسهل، في لا مبالاةٍ مذهلةٍ، إهلاك الحرث والنسل والدم والأرواح، في سبيل تحقيق أوهامٍ مدخولة. وها هي جماعة داعش، التي لا تختلف كثيرًا عن قومنا هؤلاء، تقدم لنا درسًا بليغًا، في كيف تحول مفارقة الحكمة، الإنسان إلى وحشٍ ضاري، ثم يظل، مع ذلك، يظن أنه الخادم الوحيد لإرادة السماء في الأرض. كان الإسلاميون السودانيون يظنون أنهم الأتقى، والأنقى، وأنهم المصطفين الأخيار، الأكثر استعصاءً على إغراءات الدنيا، والأكثر تجرُّدًا لنصرة الحق، وللعمل المخلص للصالح العام. لكن، ما أن وصلوا السلطة، حتى انفجرت أمام أعينهم، براكين معايبهم، وطالعهم ضعفهم البشري، ورأوا، رأي العين، عدم اشتغالهم بجدٍّ في إصلاح أنفسهم. لقد رأوا كيف انخرطوا، بكل قوة، في الولوغ في المال العام، وفي أكل أموال الناس بالباطل، وفي استثناء أنفسهم من حكم القانون، ومن سائر الضوابط المؤسسية للعمل العام، حتى أصبحت مؤسسية العمل العام، مجرد ركامٍ من طوبٍ منقوض، مبعثر.

ولكي يحرس الانقاذيون امتيازاتهم الجديدة، وكل ما عادت به إليهم، اجراءات التمكين، حولوا المشروع “الإنقاذي”، “الديني”، المتوهم، إلى مجرد مشروع أمني. وما من شك أبدا، في أن انحصارُ أي نظامٍ للحكمٍ في مربع الاجراءات الأمنية وحدها، يعني، بالضرورة، نهايته الحتمية. والباعث على الأسى، حقًا، في حالتنا السودانية، التي نعيشها الآن، أن نهاية حكم القبضة الأمنية، ربما انتهى إلى تفكك ذاتها، أو انخراطها في حروب ضروس طويلة، لا تبقي ولا تذر. ولقد عايشنا، في السنوات القليلة الماضية، يومًا بعد يوم، أحوال الأقطار التي جرى حكمها، لأكثر من ثلاثة عقود، بالقبضة الأمنية؛ كما في سوريا، وليبيا، والعراق. والسودان قطرٌ طارفٌ في تكوينه الحداثي، ولا تُقارن هشاشته، وعدم قدرته على الانبعاث من الرماد، بأي من هذه الأقطار الثلاثة، باستثناء ليبيا، ذات التكوين الضعيف. وفي ليبيا، يصبح مورد النفط مدعاةً لمزيد من الخراب، بسبب القدرة على شراء السلاح، وبسبب الاستعداد للاستقطاب الخارجي، نظرًا للروح القبلي المسيطر.

كان من المفترض أن يعيد الإسلاميون النظر في انفرادهم المطلق بالسلطة، حين طالعهم فشل مشروعهم، خاصة بعد انفصال الجنوب، وانمحاق فقاعة النفط العابرة، وبعد انهيار عملته، وبعد أن تحول النظام إلى مرد متسوِّلِ للهبات. لكن لأن أساسهم الروحاني كان ضعيفًا، وقدرتهم على النقد الذاتي منعدمة، بسبب الهوس الديني، والصلف، والغرور، فقد انجرفوا في طريق المكابرة. وهم لا يزالون على درب المكابرة سائرين، وسوف لن ينفكوا سائرين في بيدائه، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولا.

في الثلاثين من يونيو من عام 1989، وصف البيان الأول للإنقاذ، السياسيين من الأحزاب التقليدية، الذين تعاقبوا على دست الحكم، منذ الاستقلال، بـ “الفاشلين”. لكن، من ينظر إلى ما وصل إليه الفشل الذريع للإنقاذ في كل شيء، يجد أن فشل ما قبل 1989، لا يمثل سوي قطرةٍ من بحر فشل الانقاذ، الذي أصبح بلا ضفاف. لقد كان فشل أنظمة ما بعد الاستقلال، قابلاً للتحويل، إلى نجاحٍ. أما ما وصل إليه الفشل، حاليًا، وما وصلت إليه مشاكل البلاد من تعقيد، وما جرى من طحن الشعب، بلا رحمة، في مطحنة الغلاء الفاحش، المتنامي، والفقر المدقع، وتنامي الشعور بانسداد أفق الأمل، فإن تحويله إلى نجاح، يقتضي حدوث معجزة. ولا أستطيع أن أتصور ما سيكون عليه الحال، إن استمرت الانقاذ في الحكم، أكثر مما جرى، حتى الآن؟

جاء في الكتاب الكريم، “ومن يُؤت الحكمة، فقد أوتي خيرًا كثيرًا”. ويقابل الحكمة، في تعبيرنا الديني، لدى الفلاسفة المعاصرين ما أُطلق عليه اسم، “الذكاء الروحي”. وهو، لدى منظِّريه، الذكاء الأعلى، الجامع لبقية الذكاءات. وهو ما كشفت عنه أبحاث كل من دانه زوهار، وإيان مارشال، في كتابهما، ذائع الصيت، الصادر عن دار بلومزبيري، في عام 2000، تحت عنوان: SQ: Connecting with our Spiritual Intelligence. “الحكمة”، أو “الذكاء الروحي”، هما اللذان يهمسان في أذن المرء، حين يصبح الفعل عديم الجدوى، تمامًا، أو جالبًا للضرر قائليْن له: من الخير لك أن تتوقف.

لقد تعدت الانقاذ، بمجيئها نفسه، نطاق عدم جدوى الفعل، ودخلت، منذ يومها الأولٍ، في نطاق جلب الضرر، بل والضرر الماحق. لكن، أين هي “الحكمة”، أو “الذكاء الروحي”، اللذان يقولان لصاحبهما: توقف، فإنه لا يبدو أن لديك ما تقدمه. تستمر الانقاذ في الحكم الآن، معتمدةً، حصرًا، على القبضة الأمنية. أصبحت أفعالها في الداخل خنقًا مستمرًا لقوى المجتمع الحية، وتمكينا للجوع، والمرض، والعُري، والجهل. وتجفيفًا لمنابت الفضيلة، بخلق أفضل البيئات لأخطر الأمراض الاجتماعية، وأكثرها فتكًا بالأمم. هذا علاوة على تفكيك روابط الناس، وإعادة الجميع إلى مربعات الولاءات القاعدية، بحثًا عن الأمن، والعضد، والسند. أما أفعالها في الخارج، فقد أضحت مجلبةً يوميةً للضعة، والمهانة، والاحتقار، للقطر وأهله. وأضحت، في أفضل الأحوال، مجلبةً للشفقة عليهم، والرثاء لهم.

لقد انطلقت، منذ أكثر من عقدين، الأمم الإفريقية الكبيرة، في جوارنا الإقليمي، من عقالها، وأخذت تقذ السير، بهمة وعزم، في دروب النهوض. فقد داعبت، مخيلات شبابها، وسائر أهلها، بفضل الله، ثم بفضل حكمة قادتها، بشائر الأمل في مستقبلٍ مضطردٍ الازدهار، بعد عقود من الركود واليأس. فأخذت تتدفق حيويةً، ويزداد تلاحمها مع شعوب العالم، ويقوى ارتباطها بإيقاع العصر ونبضه. وشرع المستثمرون والسياح يتدفقون عليها في موجاتٍ لا تنفك تتعاظم، بمتواليات هندسية. لقد أخذت شعوب جوارنا الإقليمي، تتنفس، بالفعل، هواءً نقيًا منعشًا.

أما نحن، فقد تفيأنا، غصبًا عنا، ظلال شجرة الإسلام السياسي الخبيثة. لعن الله غارسيها، ومتعهديها بالرعاية، في سائر أقطار الأرض، ولعن كل واهمٍ، لا يزال ينتظر منها أن تطرح ثمرًا صالحًا. ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا، كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ، كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ، اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ، مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا، بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَفِي الْآَخِرَةِ، وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾. صدق الله العظيم.