د.الشفيع خضر سعيد

كون السودان يكتوي بنيران أزمة وطنية، عميقة وخانقة، وكل الاحتمالات حبلى بأسباب تفتته وانهياره، فهذه حقيقة بائنة، يعرفها القاصي والداني، وتفصح عنها أحوال السودان الراهنة من حرب أهلية مدمرة مستمرة حتى اللحظة، واقتتال قبلي أسفر عن مشهد جديد في فصول مأساة الوطن بانحياز السلطة، بعدتها وعتادها، لأحد الأطراف في اقتتال أبناء القبيلة الواحدة، مؤججة مشاعر القلق والخوف من المقبل، وتدهور اقتصادي ومعيشي، وانهيار الخدمات، وأحاديث عن بيع أخصب أراضي البلاد، أو رهنها، أو تأجيرها لفترات خرافية، للمستثمر الأجنبي أو ايفاء لديون مستحقة السداد، وجبهة داخلية ممزقة ومصطرعة الولاءات حتى في الجانب العسكري…إلى غير ذلك من السمات التي تدمي القلب والعين. 
ويتضاعف الإدماء وتزداد كثافته بإقحام البلاد في سياسة خارجية غير مدروسة، شديدة الخطورة إذ تقوم على لعبة «التذاكي» و»الفهلوة» في التعامل مع المحاور المتناقضة في عالم يتربص فيه كل محور للانقضاض على الآخر، وهي لعبة، غير أنها من مخلفات الماضي السحيق، من الممكن أن تسرّع برمي الوطن في التهلكة. وغافل من يظن أن الأزمة السودانية الخانقة لا تتقاطع ولا تتماس مع بؤر الصراعات الدولية والإقليمية بمحاورها المتعددة، ومع التحديات الخارجية والمتغيرات المتسارعة والمتجددة في العالم، وهي تحديات ومتغيرات ينبغي علينا التعامل معها والإسهام فيها، شئنا أم أبينا، لأنها في مجموعها وتفاعلاتها تشكل ملامح «النظام العالمي الجديد»، بعد انهيار أسس النظام القديم، وبعد أن تخطى تاريخ البشرية الكيانات أحادية المحور. يكفي أن نعدد فقط العناوين الرئيسة لهذه التحديات، وهي ستشرح نفسها بنفسها: تداعيات الربيع العربي والمواجهة مع تيارات الإسلام السياسي والأصولية الإسلامية في المنطقة، خاصة أن من يقودون السودان اليوم ليسوا بعيدين عن هذه التيارات، حرب اليمن وخوض السودان في وحلها، التقاطعات الإقليمية والدولية مع حروب السودان الأهلية في دارفور وجنوب كردفان، الحروب والتوترات في البلدان المجاورة للسودان وامتداداتها فيه، خاصة في الجنوب والغرب والشرق، صراعات القرن الأفريقي، المطامع الدولية في البحر الأحمر والخليج العربي والجزيرة العربية ومنطقة البحيرات في افريقيا، الصراع العربي الإسرائيلي، المنابع الجديدة للبترول وطرق نقله، سيطرة وتنافس الاحتكارات المتعددة الجنسيات على السوق العالمي، الديون الخارجية، العولمة وتدويل رأس المال، نزوع العالم نحو التعددية وحكم القانون وحقوق الإنسان، الاتجاهات نحو التكامل الإقليمي….الخ.
وللأسف، ظل تعامل سودان الإنقاذ مع هذه التحديات، متزعزع لا تعرف له خطا واضحا واحدا، وفي منحىً أقرب إلى اللاأخلاقية، وليس البراغماتية. فالإنقاذ احتضنت بن لادن واعتصرته، وتحت الضغط الأمريكى طردته. احتضنت كارلوس واعتصرته، وتحت الضغط الفرنسي سلّمته مكبلا.
والإنقاذ تحتضن الجماعات الإسلامية وتحت ضغطها تسمح بإدخال السلاح وتهريبه عبر أراضي الوطن. وتستجيب لطلبات طهران، حتى ولو كانت تتعارض مع مصالح البلاد الاستراتيجية، ثم تقطع علاقتها معها في إطار حركتها البهلوانية أو البندولية بين معسكري حرب اليمن، قبل أن تؤكد مؤخرا رفضها المساس بأمن إيران. 
وما بين الصين وروسيا تتواصل الصفقات لإشباع غرور السماسرة وناهبي المال العام. ثم ينطلق الحماس مهللا ومكبرا للتطبيع مع أمريكا، قبل اللجوء، مؤخرا، إلى موسكو طلبا للحماية من أمريكا، ومقابل ذلك يتم التبرع بالتنازل عن ما ظل السودانيون يرفضونه ويقاومونه منذ فجر الاستقلال، إقامة قواعد عسكرية أجنبية تخترق السيادة الوطنية وتصيبها في مقتل. وفي الوقت ذاته تتداول مجالس الخرطوم الأحاديث السرية العلنية عن التطبيع مع إسرائيل.
قلت في المقال السابق، يتراءى لي أن السودان يدار بحكومتين، إحداهما علنية ومنظورة من الجميع، ولكنها محدودة النفوذ والإرادة، بينما الحكومة الأخرى خفية تعمل خلف الكواليس، وهي التي تتحكم فعلا في إدارة البلد وتصدر ما شاء لها من قرارات استراتيجية. واليوم أضيف إلى قولي ذاك، إن التقلب بين المحاور المتناقضة في السياسة الخارجية، ربما دلالة على تعدد الجهات المتنفذة التي تصدر قرارات استراتيجية متعددة ومتناقضة..! ونحن نعلم تماما أن نظام الإنقاذ، ومنذ يومه الأول في الحكم، يستمرئ تضييق مساحة الدوائر النافذة التي تتخذ القرارات المصيرية المتعلقة بالوطن. والكل يدرك أن هذه الطريقة بالتحديد، هي التي تفرغ مقومات السيادة الوطنية. أما النظام الذي يحارب بنيه، كما فعل ويفعل النظام السوداني في دارفور وفي جبال النوبة وفي جنوب النيل الأزرق، فليس له القدرة على خوض معركة، قتالية أو خطابية، من أجل حماية الشعب وحماية السيادة الوطنية. فالوطنية قيمة لا تستدعى بين ليلة وضحاها، وإنما تغرس غرسا مع التعليم والتربية وتقديم القدوة، كما يستشعرها الفرد في مؤسسات الدولة والمجتمع المختلفة عدالة ومساواة. وثانيا، لأن السيادة الوطنية ليست فرض كفاية تقوم بها فئة دون أخرى، وإنما يتخلقها المتعايشون في البلد المحدد، ويستمدونها من توحدهم وتفهمهم لمشاكلهم واستعدادهم لحلها بالتراضي، وهذا غير متوفر لدينا، نحن في السودان، حتى الآن على الأقل. صحيح، نحن، وفي أي موقع كنا، لن نقبل بأي اعتداء يمس سيادتنا الوطنية غض النظر عن من يحكم السودان، ولكنا في الوقت ذاته نقول بأن الاعتداء على السيادة الوطنية لا يأتي من خارج الحدود فقط، وإنما يأتي أيضا من داخل الوطن عندما تؤدي سياسات الحاكم إلى التفريط في هذه السيادة الوطنية، وما التفريط إلا نتيجة حتمية لسياسات المحاور واللهث هنا وهناك في سياستنا الخارجية، وتقديم التنازل تلو التنازل، طلبا لحماية الحاكم وليس السيادة الوطنية.
والسؤال الرئيس الآن: فضلا عن أن سياسات المحاور مكروهة، وتتعارض مع مبادئ وقيم العلاقات الدولية، وأنها لا تقدم لنا نفعا إن لم تزدنا توريطا، فهل السودان المنكوب، مؤهل للخوض في غمارها؟. سياسات المحاور جريمة يدفع ثمنها الفادح المواطن البسيط، بينما القلة التي ترسمها غير عابئة بالضربات الموجعة التي تنهال على رؤوس الشعب.