لؤي قور

شهدت السينما في السودان انتشاراً كبيراً خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وصارت مصدراً أساسياً من مصادر “التنوير”، والتي اعتمدها المجتمع حيناً من الدهر، فكانت هناك سينما كوليزيوم، والسينما الوطنية، وسينما النيل الأزرق، وسينما الحلفايا، في العاصمة. و في مدينة ودمدني كانت هناك سينما “خواجة” و”الوطنية” و”سينما أمير”، بينما اشتهرت دور عرض في الولايات الأخرى من قبيل سينما جوبا، وسينما الدويم، وكوستي، والأبيض، وكانت هناك سينما بورتسودان، وسنار، وعطبرة، والمناقل، ونيالا، وشندي، والحصاحيصا، والقضارف، وغيرها. بالإضافة لبرنامج “السينما المتجولة”، والتي كانت تجوب الأصقاع البعيدة، في المناطق التي لا توجد بها دور عرض. وكانت السينما حينها من المكونات الثقافية الأساسية للمجتمع، وساهمت لحد كبير في تشكيل وعيه الجمعي وانفتاحه على الآخر المختلف. 

مسيرة حافلة بالعطاء:

وأنشئت أول وحدة لإنتاج الأفلام في السودان في العام “1949”، فيما عُرف بـ”مكتب الاتصالات العام للتصوير السينمائي”، والذي اقتصر إنتاجه على الأفلام الدعائية، وكان يصدر جريدة نصف شهرية. وبعد استقلال البلاد كان هناك ثلاثين دار عرض سينمائي بالسودان، وبعد انقلاب مايو “1969”، آلت عملية استيراد الأفلام وتوزيعها إلى الدولة، وأُنشئت مؤسسة الدولة للسينما، والتي كانت تتبع لوزارة الثقافة الإعلام، ولكن التأميم لم يشمل دور العرض التي وصل عددها إلى خمساً وخمسين داراً في ذلك الحين. وبعد عام “1967” ظهر سينمائيون يطرحون شعار إحلال الفكر محل الإثارة، وفي تلك المرحلة بدأ نشاط ثقافي واسع في جامعة الخرطوم حيث تشكَّل مسرح سمي بجماعة المسرح الجامعي، وأسس نادى سينمائي وفرق للفن الشعبي مما شجع عدداً آخر من الشبان السودانيين على السفر إلى الخارج ودراسة السينما والمسرح دراسة متخصصة .

بين الأمس واليوم:

واليوم تكتسي جدران دور العرض السينمائية في السودان بالسواد، لتصير عبارة عن خرابات ينعق فيها البوم، بعد أن تم إغلاقها تماهياً مع المشروع الحضاري الذي يعادي الفن والفنون، بل وتعرض بعضها للبيع مما يهدم أي أمل في إعادة تأهيلها ولو بعد حين، وصار بعضها أطلالاً تحكي عن ماض عريق، وزمناً مضى كانت الأمور توضع فيه في نصابها على الرغم من كل شئ، إلى أن بدأ الناس يهتدون إلى أهمية السينما، ودورها في حيوات الشعوب، وظهرت أجسام من قبيل “نادي السينما السوداني”، و”جماعة الفيلم السوداني”، وغيرها، تصدت لمهمة محاولة إحياء السينما السودانية، وهي مهمة جسيمة بلا ريب، ومجهود يُقدر ولو من باب إلقاء حجر في البركة الساكنة. فهي تقيم العروض السينمائية، وتعقد الورش والمنتديات ومناقشة هموم السينما وكيفية الإرتقاء بها، في ظل هذا الوقع غير المواتي والذي تعيشه البلاد، فهم يضيئون شمعة في ظلمة ما يصنعون،  على الرغم من حديث أصحاب الدراية والإختصاص بالفن السينمائي بأنه لا يمكن أن تشهد السينما في السودان نهضة حقيقية تحت ظلال هذا “المشروع الحضاري”، المعادي للسينما والفنون.

نادي السينما السوداني:

وقال “ناصر الطيب المك”، رئيس نادي السينما السوداني الذي قدم أول عرض سينمائي له في السابع من أغسطس لعام 1968 لـ”التغيير الإلكترونية”، أنهم سيحتفلون في العام القادم بخمسينية النادي الذي تأسس في العام “1957”، بواسطة مجموعة من أساتذة جامعة الخرطوم على رأسهم د. “سعاد ابراهيم احمد”، فيما عرف وقتها بـ”film society“، وكانت تُعرض فيه الأفلام التي لا تُعرض في دور العرض واستمر الأمر على هذا المنوال منذ ذلك الحين، من أجل عرض الأفلام الجيدة، والأفلام التي مثلت نقاط تحول في مسيرة السينما العالمية، سواءا كانت أفلام أمريكية أو أفريقية أو يابانية أو روسية، وأكد “الطيب” أن النادي لا يزال حريصاً على تقاليده في انتقاء وإعداد العروض الجيدة والنشرة التعريفية لكل فيلم، بالإضافة لجلسات النقاش التي تعقب العرض. وأشار “ناصر” إلى الأعباء الإضافية الملقاة على عاتق النادي، في ظل غياب دور العرض السينمائي تقريباً عن الساحة، فقال بأنهم حريصين على استمرار عروضهم الإسبوعية على الرغم من كل المعوقات.

جماعة الفيلم السوداني:

 وعن العلاقة بينهم وجماعة الفيلم السوداني يقول “الطيب” أن جماعة الفيلم السوداني التي تأسست في أبريل من العام “1989” كجماعة سينمائية ضمت خريجي معاهد السينما من السودانيين اهتمت بصناعة الأفلام  والتدريب، وبذلت جهداً مقدراً في ذلك، قال ” الطيب ” أن نادي السينما ظل يهتم بعروض المشاهدة، باعتبار أن السينما في السودان ظلت سينما مشاهدة على الرغم من بعض المساهمات القليلة على امتداد مسيرتها، مُبدياً أسفه على تقلص دور العرض السينمائي في السودان لتصير محدودة جداً واصفاً حال السينما اليوم بـ”غير المنطقي”.

وكشف رئيس نادي السينما عن إقامة نادي للسينما في الخرطوم بمركز الجنيد الثقافي فضلاً عن نادي السينما بمقر جماعة الفيلم السوداني بأمدرمان، معرباً عن نيتهم إقامة أندية للسينما في أربعة ولايات بخلاف الخرطوم هي ولاية البحر الأحمر، والجزيرة، وشمال دارفور، والنيل الأبيض.