خالد فضل

من سنوات أراقب نشاطات هذا الشاب، أو الود الأصفرانى المبدع كما فى نعت استاذه (العندى) بمدارس كمبونى، والذى من محاسن الصدف انه مايزال يحتفظ بقصاصات من كتابات كان يخطها الروائى السودانى الشاب الذى ذاع صيته مؤخراً حمور زيادة منذ أن كان طالبا فى المرحلة الابتدائية، طلال عفيفى، بسمته المديني الظاهر فى تكوينه الفكرى والاخلاقي، وبروحه العذبة القلقة، يمنح الأمل فى المستقبل،ويحيلك مباشرة من رهق واقع مازوم محلياً واقليميا ودوليا الى آفاق تنضح بالحياة، لقد اختار هذا الفتى ومنذ سنوات السير على طريق الفن السابع، لقد منح السينما كل جهده واهتمامه،وكأني به قد قرر حمل مسؤوليتها على عاتقه وكانت مبادرته الثرة (Sudan Film Factory)وهو مشروع يطمح بإرادة الشباب الى بلوغ مصاف يجعل للسينما فى السودان مؤسسة منتجة، بالأفكار النيرة والعزيمة الوثابة.

من ضمن ماتابعت من أعمال هذه المؤسسة الواعدة، أسبوع للأفلام القصيرة ميزتها أن جميع مخرجيها من الشباب، وقد كانت لفتة واعية أن جاء شعار ذلك الاسبوع (المقاومة) وكانت جزيرة توتى منصة الانطلاق للفعاليات باعتبار رمزيتها المكانية فى مقاومة طوفان النيل أوان ثورات الفيضانات المتعاقبة، وإذ اذكر ان ختام الأسبوع كان فى ساحة مدارس كمبوني بالخرطوم، وهو اختيار لا يخلو من رمزية المقاومة الإيجابية باعتبار تعددية مجتمعها عرقيا وثقافياً ودينيا ولغويا فى زمن تسوده الأحادية من كل جانب (وتعتبر فيه التعددية دغمسة)، كل نشاط هذه المؤسسة يخطط له وينفذه مجموعات من الشباب والشابات، أنهم يحاولون أن يغيروا من السائد فى كل الأوساط السودانية تقريبا الموبوء مع الأسف بفشل العمل بروح الفريق الواحد، وهى سمة من السمات التى أضحت واضحة خاصة خلال عقود الإنقاذ البائسة، إن هذه الثلة الشابة تتمتع بروح الفريق فعلا مما يعطي الأمل بنجاح هذه الخطة مستقبلاً.

من ضمن قدرات طلال موهبته فى التقاط الأفكار مهما بدت صغيرة وتطويرها جماعيا لتصبح سينما تتمتع بالفكرة والحركة والاثارة والجاذبية، سعينا إليه مؤخرا رفقة زميلى روبرت للتشاور حول فيلم قصير يخص مدرسة كمبونى وأنشطتها اليومية، والعهد به أضاف من رؤيته الكثير المفيد بعد أن وجدناه مهتما بفكرة أعمال سينمائية بمناسبة اليوم الدولي للمهاجرين، ينظر طلال الى الهجرة حدث إيجابي، والى المهاجرين كاناس مفيدين يمكن أن يضيفوا للمجتمعات التى هاجروا اليها أكثر من أن يكونوا خصما عليها وعكس السائد من وصف للمهاجرين باعتبارهم أعباء على المجتمعات التى هاجروا اليها و (النقنقة) من الضغط على الخدمات والمرافق وتضييق فرص العمل ونقل العادات والتقاليد الضارة….الخ، يرى أن كثيرا من المهاجرين هم فى الواقع إضافة حقيقيه بما قدموه لصالح هذه المجتمعات وتلك،وقد تميز بعضهم فى مجالات إبداعية وعلمية أفادت منها البشرية كلها. لقد خرجنا من عنده فى ذلك النهار بعد أن استفدنا بفهم راق وروح جديدة وربما نظرة مفيدة تجاه هذا القطاع من الناس،ولأن الأفكار مقرونة بالتنفيذ فإن معظم الأعمال السينمائية التي ينجزها سودان فيلم فاكتوري بهذه المناسبة التى تصادف 18 ديسمبر قد اشترك فيها نفر مبدع من شباب المهاجرين إلى السودان وفى ذلك درس بليغ آخر من لدن هذا المبدع المرهف الشاب الذى اسمه طلال عفيفى، فله التحية على مايمنحنا من ثقة ضمن آخرين من أبناء جيله فى مجالات أخرى بأن الواقع الغشوم الى زوال مصداقا لحداء الحبيب الراحل محجوب شريف (صبايا وفتية يمرحوا فى صباح الغد).