التغيير : الخرطوم 
عند عبورك بالجسر الطائر عند تقاطع شارع افريقيا بالسوق المركزي جنوب العاصمة السودانية  الخرطوم لن تجد صعوبة في ان تلاحظ عمال المباني وهم يسابقون الزمن لإنهاء عمليات “التشطيب” لمدينة السودان الرياضية والتي من المقرر ان تفتتح مطلع العام المقبل بعد مرور اكثر من 23 عاما علي وضع حجر الأساس لها. 
وأصبحت المدينة الرياضية محل تندر وسخرية مخلوطة  باسي لدي قطاعات واسعة من السودانيين، وصاروا يعلقون علي وضعها كلما مروا عبرها سواء خلال انتظارهم للمواصلات العامة او عبورهم بالسيارات، ذلك انها ظلت شاهدة ومجسدة لصورة فساد حكومة الإنقاذ الوطني التي جاءت للحكم عبر انقلاب عسكري في العام 1989 حتي ان احدهم اعتبرها بأنها ” أيقونة فساد الإنقاذ”. 
ولا تقتصر مظاهر الفساد علي طول الفترة الزمنية التي أستغرقها بناء المدينة، ولا كثرة التعديلات التي ادخلت علي التصاميم ، وانما ايضا علي المساحة التي بنيت فيها والتي تقل لنحو 73% من مساحتها الأصلية التي تم التصديق لها في العام 1994.
فالمساحة التي تم التشييد عليها هي 2800 مترا مربعا فيما تم اقتطاع  مساحة 144.350 مترا مربعا منها ووزعت علي جهات ومؤسسات ومنظمات وأفراد دون وجه حق كما أقر بذلك المراجع العام والذي اكد خلال تقرير له في ، وقت سابق، انه لم يجد اسعار بيع هذه المساحات المقتطعة ولا طريقة البيع ولا الخزينة الحكومية التي تم توريد المبالغ فيها. 
واضاف في تقريره  “ان  محافظة الخرطوم خصصت  3500 متر مربع لمصحف افريقيا العالمية .. وكذلك خصصت وزارة التخطيط العمراني بولاية الخرطوم مساحة 4000 متر لجمعية اسمها اصحاب الميمنة ولم يجد اي سجلات لهذه المنظمة”. 
الأكثر من ذلك ، فان ذات الوزارة – وطبقا للوزارة – فقد تم تخصيص مساحة قدرها 45000 مترا مربعا كقطع سكنية استثمارية لا يعرف احد كيف بيعت ولا اين ذهبت الاموال التي تم البيع بها. ولكن ارتبط اسم احد اشهر قيادات حكومة الإنقاذ وهو يوسف عبد الفتاح والشهير بـ ” رامبو” بالوقوف وراء بيع القطع السكنية لنافذين في الدولة ومسؤولين حكوميين وقيادات عليا في الاجهزة الامنية من شرطة ومخابرات وقوات مساحة ومجاهدين سابقين . 
وخلال جولة لها علي المنازل الفاخرة التي تم تشييدها جنوب وشرق المدينة الرياضية لاحظت ” التغيير الالكترونية” ان معظم قاطني هذه المنازل هم من قيادات الدولة المعروفين وقيادات الاجهزة الامنية. ولقد تم تشييد المنازل بمواصفات فخمة وحرص كثيرا منهم علي الاستعانة بوحدات أمنية لحراستها. 
وظل عبد الفتاح يرفض خلال لقاءات صحفية مختلفة الاتهامات الموجهة اليه ببيع القطع السكنية والاستفادة من عوائدها، الا انه عاد واكد في حوار صحافي اجري معه مؤخرا ان جهات نافذة في الدولة هي التي طالبته بالتصرف في الاراضي وبيعها لافراد من جهات تتبع لمؤسسات تتبع للحركة الاسلامية وواجهات للاسلاميين.   
عندما بدات شركة دان فوديو – التي تعتبر من احدي استثمارات الإسلاميين في السودان – عملها في بناء المدينة الرياضية كاول شركة تبدا تنفيذ المشروع علي الارض، كان المخطط له عبارة  عن مدينة رياضية  تشمل كل الألعاب الرياضية وفنادق وأسواق ومجمعات سياحية. ولكن الرئيس عمر البشير الذي سيفتتح المشروع في شهر يناير المقبل سنتفاجأ بانه سيدشن ملعبا  اولمبيا فقط يتسع لنحو 60 الف شخص بعد ان كان مصمما  لكي يستوعب 80 الف شخص. 
وفي هذا الصدد، يقول احد كبار المهندسين الذين كانوا يعملون في المشروع ان الشركة تركت المشروع بعد ان تراكمت الديون عليها وان ” العمل فيها اصبح مستحيلا بعدها”. 
واوضح يقول” كنّا قد اتفقنا علي تسليم المشروع كاملا خلال ثلاث سنوات في حال توفير الميزانية المطلوبة، ووجدنا وعودا قوية وواضحة بان هنالك ميزانية جاهزة.. وبدأنا العمل لكن وبعد مرور فترة قصيرة اكتشفنا ان الميزانية المرصودة ذهبت الي اتجاهات اخري ولم تصلنا واستلمنا اقل من 15% من المبلغ المحدد٠٠ واعتقد ان هنالك جهات تدخلت واستفادت من الميزانية المرصودة وبعدها قررت الاستعانة بشركة اخري”.  
وتعاقب نحو 10 من وزراء للشباب والرياضة ومسؤولين اخرين  علي المدينة الرياضية ومن بينهم يوسف عبد الفتاح وحسن عثمان رزق وَعَبَد القادر محمد زين وحاج ماجد سوار ومحمد يوسف عبد الله وحيدر جالكوما والوزير الحالي عبد الكريم موسي. كما عمل مساعد الرئيس السوداني موسي محمد احمد علي هذا الملف قبل سنوات. وقال احد مدراء مكتبه ” للتغيير الالكترونية” انهم فشلوا في بناء المدينة الرياضية بعد ان تراجعت  دولة قطر عن وعودها السابقة ببناء كامل المدينة. 
واضاف ” قطر قررت التراجع عن وعودها ببناء المدينة الرياضية بشكل كامل  بعد ان رأت ان هنالك مظاهر فساد متعلقة بها مثل الاراضي وتغيير الخرط والتصاميم لاكثر من مرة .. بالاضافة الي تدخل جهات اخري في المشروع ومطالبتها بالحصول علي عمولة من المنحة المقدرة”.   
وليس من الواضح حجم الاموال التي تم ضخها في هذا المشروع ، لكن المؤكد هو انها تبلغ مليارات الجنيهات تم اقتطاعها من خزينة الدولة التي يتم ملاءها من أموال السودانيين عبر الضرائب والجمارك والجبايات وغيرها من الرسوم الحكومية. 
وتدار الكثير من المشاريع التنموية من طرق وجسور ومؤسسات حكومية خدمية اخري بذات الطريقة مثل طريق  الإنقاذ الغربي  و التي تفتح الباب واسعا امام الفساد المالي، وتبقي المدينة الرياضية الشاهد الأكثر رسوخًا ووضوحا علي سوء استخدام أموال الدولة.