رؤوف مسعد كاتب مزدوج الهوية سوداني/مصري، يثير الكثير من الجدل بكتاباته التي تأخذ عمقها الأساسي من هذه الهوية الثنائية وكونه ينحدر من أسرة مسيحية، وقد كان والده قسيساً بالكنسية في مدينة ودمدني جنوب الخرطوم في الربع الثاني من القرن العشرين.

أيضا تأخذ كتابات مسعد روحها من معالجاته الجريئة في اقتحام عوالم الجنس والجرأة في ذلك عبر سرد التجارب الشخصية، بأسلوب ربما يشبه ما أقدم عليه الكاتب المغربي محمد شكري، ففي رواية “بيضة النعامة” يبدو رؤوف مسعد جريئا إلى أبعد الحدود في رواية سيرته الذاتية، وهو يمزج بين عالمي السياسة والسجون وسجن الجسد، حيث العلاقات العابرة والحقيقية مع النساء.

تدور هذه الرواية ما بين عدة بلدان ولكن مصر والسودان هما العالم الأساسي لها، حيث ينقلنا من طفولته إلى صباه إلى كونه رجلا ستينيا، ولكن رؤوف لا يعتمد أي خط سردي تقليدي أو يهتم بترتيب الزمن أو الحكايات أو إقناع القارئ بأن السرد يجب أن يمضي بخط منطقي معين.

وخلق هذا التباسات لدى البعض في تصنيف هذه الرواية التي صدرت لأول مرة سنة 1993 في بيروت، وتم منعها ومصادرتها لموضوعها الجريء أكثر من مرة، قبل أن تعاد طباعتها في مصر، وتمثل الالتباس في هوية السرد الذي يكتبه رؤوف، هل هو رواية أم سيرة ذاتية؟ وهذا ينطبق على مجمل أعماله الأخرى.

الوثيقة الاجتماعية

ويقارن البعض بين تجربته وتجربة الكاتب المصري صنع الله إبراهيم في اتجاه الثاني نحو التوثيق السياسي والاجتماعي، اعتمادا على المصادر والرحلات، في حين أن رؤوف اتجه نحو التوثيق من خلال التجارب الشخصية المباشرة، وهو الإحساس الذي يمكن أن يجده القارئ في رواياته.

فعالم “بيضة النعامة” تبدو فيه الخرطوم وبورتسودان ومدن السودان إلى جبل مرة حية وباذخة بالحياة في ما يشبه الوثيقة الاجتماعية لأواخر الستينيات إلى ما بعد التسعينيات وكذلك شذرات من طفولة مسعد التي ينظر إليها كما لو أنها حلم.

عن الطفولة والسودان

يكتب عن بورتسودان التي شهدته مولده عام 1937 قائلاً عنها: “إنها المدينة التي شهدت مولدي والتي عشت فيها سنوات الطفولة الأولى، لكني لا أذكرها إلا بشكل ضبابي” (ص 241/ بيضة النعامة).

ويكتب عن قرار والده بإنهاء علاقتهم بالسودان بعد أن أقام به أكثر من عشرين سنة ليذهب إلى مصر، بنوع من الأسى قائلاً: “فأي حسرة عظيمة تعلن عن نفسها أحياناً في ثورات غضب، وتمرد منا نحن الأولاد على الوالدين؟ لأن بابا لم يستشر أحداً كعادته في اتخاذ القرارات بمفرده في النزوح نهائياً من السودان، ورفضه أخذ الجنسية السودانية وإبقائنا كمصريين. فقد خيرت الحكومة في السودان الناس مثل عائلتي الذين يحملون الجنسية المصرية أن يتجنسوا ويتسودنوا (حسب التعبير الرسمي) وهكذا بقينا مصريين، ونحن الأولاد لا نحس سوى انتمائنا إلى السودان”.

ويتساءل مسعد: “ما الذي جعله يحرق سفنه فيغادر البلد الذي قضى فيه أكثر من عشرين سنة، ليرجع إلى مصر التي لا يعرفها، ولعل تسليمه وقبوله بالأمر الواقع كان بداية انحداره الصحي النهائي السريع، ومرضه المفضي إلى الموت” (ص289/ بيضة النعامة).

الهويات المتعددة

وتبدو حياة رؤوف مسعد مع هذا الترحال في الأمكنة وتعدد الهويات زاخرة وحية، وتكشف عن كتابته التي استطاعت أن تخترق الحدود الأدبية بين الأنواع والأجناس الكلاسيكية، ليكون له حرية كتابة النص؛ الأمر الذي يضيق به بعض القراء ذرعاً، في حين ينظر إليه نخبة من القراء بشكل مختلف.

وقد استقر به المقام في هولندا منذ مطلع التسعينيات، حيث يبدي مراجعات في الفكر والقراءات المتعمقة، ومن ضمنها كتابه الذي أصدره ويتضمن حوارات مع نصر حامد أبوزيد المفكر المصري الذي رحل عام 2010، وصدر الكتاب عام 2011 بعنوان “رؤوف مسعد يحاور نصر أبوزيد”، متضمناً الحوارات العائد تاريخها إلى 2001 ويتناول قضايا شائكة حول الإسلام والمرأة وحقوق الإنسان والإسلام السياسي وغيرها من الموضوعات.

الكتاب الحقيقي

يكتب مسعد شهادة عن كتابه “بيضة النعامة” نشرت بالأخبار المصرية في 2015 بملحق كلمات قائلاً: “أما الكتاب الذي أعطاني قدراً من الشهرة فهو بيضة النعامة، التي يعتبرها الكثيرون رواية، وأعتبرها أنا سرداً ولعلّ كلاً منا على صواب”.

ويمضي للقول: “ولعله – أيضاً – كتابي الحقيقي الأول فقد كتبته على مدى ثماني سنوات طوال، وعانيت منه ما أعاني حتى الآن من كتابة أي عمل روائي، عدم الثقة والرغبة في النكوص”.

وبالنسبة لاسم الكتاب فقد شرحه الكاتب في الرواية نفسها (ص272) يكتب: “أذكر أنني مرة حينما ذهبت في زيارة سياحية إلى أحد الأديرة أني رأيت بيضة نعام كبيرة معلقة على باب المذبح الداخلي. سألت الراهب المرافق عن معناها فقال لي: إنها رمزية لاستمرار الكنيسة عبر عصور الاضطهاد المتعاقبة. قال إن النعامة حينما تحس بالخطر تسارع بتخبئة بيضها، ثم تجري مبتعدة عنه، لتحوّل نظر المطارد عن البيض! قال إنها قد تضحّي بحياتها عالمة أنها قد أنقذت البيض”.

(نقلا عن العربية نت)