في فبراير (شباط) عام 1992، صوَت المواطنون البيض في جنوب إفريقيا على استفتاء بادر به الرئيس الجنوب إفريقي الأسبق «فريديريك ويليم دي كليرك»، وذلك من أجل إنهاء نظام الفصل العنصري الأبارتايد «Apartheid» الذي كان معمولًا به منذ خمسينات القرن الماضي. وقد كانت الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا في ظل هذا النظام العنصري تمتلك الكثير من المزايا التي ترفعها إلى مرتبة الأسياد؛ بينما تعاني الأغلبية السوداء الحرمان من الكثير من حقوقها الإنسانية المشروعة.

وقد فرض هذا النظام فصلًا بين العرقين -الأبيض والأسود- في المواصلات العامة والمدارس والمستشفيات والأراضي والأماكن العمومية، انحيازًا لمصلحة الأقلية البيضاء على حساب الأغلبية السوداء التي عانت أشدّ المعاناة في ظل الأبارتايد. بالإضافة إلى كل هذا، فإن النظام كان يمنع الزواج بين السود والبيض، كما يمنع السود من تملك أراض في المساحات التي تم تخصيصها للبيض، أما بالنسبة للحقوق المدنية كالمشاركة في الانتخابات والاستفتاءات، فإن البيض وحدهم كانت لهم هذه الحقوق.

وعلى الرغم من أن كل هذا انتهى في بداية التسعينيات، فأصبحت جنوب إفريقيا تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق مستوى عالٍ من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان، خاصةً بعد أن أصبح المناضل نيلسون مانديلا، الذي قضى قرابة السبعة وعشرين عامًا في المعتقل بسبب نضاله ضد نظام الفصل العنصري، أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا عام 1994؛ عادت في الوقت الحالي الكثير من الأبواق الإعلامية والمؤسسات التي تعنى بمؤشرات الفساد ومدى تحقيق الديمقراطية للحديث عن حالة الفساد التي تزداد يومًا بعد يوم في جنوب إفريقيا، وبالتحديد منذ بداية رئاسة «يعقوب زوما»، الرئيس الحالي لجنوب إفريقيا الذي قاربت ولايته الثانية والأخيرة على الانتهاء، إذ ينتظر المواطنون انتخابات حاسمة لاختيار خليفته سنة 2019.

الفساد ينمو أسرع من أي شيء آخر في جنوب إفريقيا

طبقًا لمؤشر الفساد العالمي الذي تنشره المؤسسة الدولية للشفافية كل عام، فإن جنوب إفريقيا في عام 2016 احتلت المركز الرابع والستين من أصل 177 دولة، وبذلك تكون قد تراجعت 26 مركزًا عن المركز 34 الذي احتله في عام 2001. يتضح هنا أن الفساد في جنوب إفريقيا أصبح في انتشار مستمر.

وفي إحدى الإحصاءات التي أجرتها مؤسسة «Corruption watch»؛ فإن عام 2013 وحده شهد اضطرار 47% من مواطني جنوب إفريقيا لدفع رشوة من أجل تأمين حاجاتهم ومصالحهم الأساسية، وقد منحت المؤسسة فرصة لمن استطلعت رأيهم لكي يعطوا تقييمًا شخصيًّا للفساد في عينة من المؤسسات السياسية والعمومية في جنوب إفريقيا، وقد كانت النتائج صادمة: فقد رأت عينة المواطنين أن نسبة فساد الشرطة تصل إلى 83%، بينما تبلغ في الأحزاب السياسية 77%، أما موظفو الخدمة العامة فاسدون بنسبة 74% حسب العينة، والبرلمان بنسبة 70%، أما العاملون في مجال الخدمة الصحية فبلغت نسبة فسادهم 55% في نظر العينة، وشركات القطاع الخاص بنسبة 54%، والقضاء بـ50% والمنظمات غير الحكومية بـ43%، وبلغت نسبة فساد الإعلام 40%، أمّا التعليم فـ32%، والمؤسسات الدينية فبلغت 23%، بينما رأى المواطنون المستفتون أن حجم فساد المؤسسة العسكرية يبلغ 11%.

ويتسع الإحباط في الشارع الجنوب إفريقي أكثر فأكثر بسبب الفساد الكبير الذي يتصاعد داخل الدولة، وذلك لأنه ينخر في مجموعة من المؤسسات التي تتحكم في سير العملية الديمقراطية والقانونية داخل الدولة، وهذا يجعل المواطنين يفقدون الثقة في الحكومة، وفي الأحزاب السياسية.

حقوق الإنسان تراجعت كثيرًا

في تقريرها السنوي، انتقدت منظمة «هيومان رايتس ووتش» (Human Rights Watch) الدور الحكومي تجاه الحفاظ على الحقوق الإنسانية في جنوب إفريقيا، ووصفته بأنه أصبح «متآكلًا»، وذلك لعدة أسباب، أهمها: فشل الحكومة في توفير التعليم اللازم لنصف مليون طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا بجانب أن هؤلاء الأطفال يتم معاملتهم بنوع من عدم التقدير والتمييز العنصري. وعلى الرغم من أن التعليم الحكومي في جنوب إفريقيا مجاني، إلا أن الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة يدفعون مصاريف المدارس التي صممتها الحكومة خصيصًا لهم، لكن هذه المصاريف ليست في متناول شريحة معتبرة من الطلاب الذين ينتمون إلى عائلات فقيرة.

ويشير نفس التقرير إلى أن معدل العنف ضد المرأة في جنوب إفريقيا ارتفع عن السنوات الماضية، وعلى الرغم من أن الإحصاءات التي تناولها التقرير توضح أن عدد النساء اللاتي يتعرضن للعنف الأسري والتحرش والاغتصاب قد ارتفع بنسبة 3% فقط عن عام 2016؛ فإن هناك الكثير من جمعيات حقوق الإنسان في جنوب إفريقيا أشارت إلى أن هذه النسبة قد لا تكون دقيقة، لأنها اعتمدت فقط على حوادث العنف التي وثقتها الشرطة، متجاهلة العدد الكبير من النساء اللواتي يفضّلن عدم الإبلاغ عن العنف الذي يتعرضن له، فما لم يتم توثيقه يتخطى هذه النسبة بكثير.

وعلى الرغم من أن جنوب إفريقيا عانت الكثير من التمييز العنصري بين السود والبيض خلال القرن الماضي؛ فإن وتيرة العنف ضد الأجانب والبيض تصاعدت في السنوات الأخيرة. وفي عام 2016، أصدر المجلس الجنوب إفريقي لحقوق الإنسانبيانًا يعلن فيه مسؤولية «غودويل زويليثيني» قائد قبيلة «الزولو» عن ارتكاب جريمة «خطاب الكراهية» وأعمال العنف التي نفذت ضد مجموعات من الأجانب في الفترة من مارس (آذار) وحتى مايو (أيار) عام 2015، والتي نتج منها نزوح أكثر من 5 آلاف شخص.

قضية غريبة.. الرئيس الحالي مُتهم بـ«الاستيلاء على الدولة»

يواجه الرئيس الجنوب الإفريقي يعقوب زوما 783 تهمة، تتنوع بين غسيل أموال وسوء استخدام السلطة ونهب أموال عامة. ومن أخطر هذه الاتهامات قضية تعاونه سنة 1999 مع رجل الأعمال الجنوب إفريقي «شابير شايك»، إذ يُتهم الاثنان بالحصول معًا على رشاوى وعمولات من شركة سلاح فرنسية من أجل تسهيل طريق الشركة للفوز بصفقة مع الحكومة الجنوب إفريقية، وقد اتُّهم يعقوب زوما بشكل رسمي في هذه القضية عام 2000، واستمرت القضية في حيز التحقيقات حتى تم إسقاطها عام 2009 عندما فاز زوما بالسباق الرئاسي، وكان السبب المُعلن من هيئة التحقيقات أنها حصلت على تسجيل هاتفي للمدعين الذين رفعوا هذه القضية، إذ وجدت هيئة التحقيقات أن السبب الذي دفع هؤلاء للتحرك ضد زوما له خلفيات ودوافع سياسية بالأساس، وبناءً على هذه «الأدلة الجديدة» تم أسقطت القضية.

ولكن المعارضة عادت في سبتمبر (أيلول) الماضي لتحيي هذه القضية القديمة ضد زوما مرة أخرى، ومن الجدير بالذكر أن عام 2019 سيشهد انتهاء ولاية الرئيس زوما، وفي حالة تم ثبوت هذه التهم عليه قد تبدأ إجراءات قانونية لعزله من منصبه كما تتمنى المعارضة، ليس فقط من أجل إنهاء مرحلة حكمه، ولكن لمحاصرة نفوذ حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الذي ينتمي إليه يعقوب زوما، مما قد يقلل من فرص الحزب في الفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة.

في إحدى التهم الغريبة التي قد تسمع عنها لأول مرة في العالم وفي جنوب إفريقيا، تم توجيه تهمة «الاستيلاء على الدولة» إلى يعقوب زوما، وذلك بسبب تورطه في السماح لمجموعة من أفراد عائلة «غوبتا» (Gupta) بالتأثير في السياسة والمسار الديمقراطي في جنوب إفريقيا. تملك عائلة «غوبتا» استثمارات ضخمة في جنوب إفريقيا منذ التسعينات، وتقدر ثروتهم بقرابة المليار دولار أمريكي، وتربطهم علاقة قوية مع الرئيس زوما وعائلته؛ فإحدى زوجات الرئيس -تدعى «نجمة زوما»- كانت تعمل مديرة التواصل والعلاقات العامة في مجموعة شركات عائلة «غوبتا»، بالإضافة إلى ابنة الرئيس -تدعى «دودوزيل زوما»- التي كانت تدير شركة «الصحراء» للحاسبات، التابعة لمجموعة شركات نفس العائلة.

ابن الرئيس زوما أيضًا من بين المتورطين في هذه القضية -يُدعى «دودوزان»-، فقد كان أحد الشركاء التجاريين للعائلة الهندية. وفي مارس من العام الماضي، اشتعلت تلك القضية عندما أدلى نائب وزير المالية السابقة بشهادته، وقال: «إن أحد أفراد عائلة (غوبتا) عرض عليه ترقيته إلى منصب وزير المالية في عام 2015، بالمقابل عليه أن يتعاون مع العائلة في بعض الأمور»، وهذا ما رفضه نائب وزير المالية السابق تمامًا، حسب قوله.

هل تساعد «السيدة زوما» زوجها على الخروج من الباب الخلفي؟

سيجتمع أعضاء حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم في 16 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، لاختيار من يمثلهم في الانتخابات الرئاسية القادمة في 2019، ومن ضمن هؤلاء المُرشحين، تبرز السيدة «نكوسازانا دلاميني- زوما» زوجة الرئيس الثالثة السابقة، والتي كانت تشغل منصب رئيسة الاتحاد الإفريقي مدة خمس سنوات منذ عام 2012 وحتى يناير (كانون الثاني) عام 2017، وسبق لها أن شغلت عدة مناصب حكومية في جنوب إفريقيا؛ فقد كانت وزيرة للصحة في حكومة نيلسون مانديلا ثم وزيرة للخارجية في عهد الرئيس «كجاليما موتلانثي».

وشغلت أيضًا في الفترة الأولى من حكم زوجها السابق منصب وزيرة الشئون الداخلية. وعند سؤال يعقوب زوما عمّا إذا كان يؤيد ترشح زوجته السابقة في السباق الرئاسي القادم أم لا، قال: «لقد نشأت في الصراعات، وتبوأت الكثير من المناصب العليا، فسؤالك عن تأييدي لها أم لا هو غير منطقي من الأساس، لأني بالفعل أؤيدها».

وتشير استطلاعات الرأي أن فرصة نكوسازانا دلاميني زوما قوية في الانتخابات القادمة، فهل إن نجحت سوف تسقط الاتهامات عن زوجها وتساعده على الخروج من الباب الخلفي؟