خالد فضل

لا يمر يوم فى الخرطوم دون أن تحمل أخباره نبأ غزوة من غزوات شرطة النظام العام، والأحكام التى تصدرها محاكمهم، وتضج الاسافير دوما بممارسة من ممارسات النظام العام، لاتضارعه فى ذلك سوى أخبار الدعم السريع (الجنجويد سابقا) التى باتت هى الأخرى تتصدر عناوين الصحف الخرطومية ونشرات الأخبار بالإذاعة والتلفزيون الحكوميين وما لف لفهما من قنوات إعلامية أخرى، بعد أن انزوت أصداء انتصارات القوات المسلحة وبياناتها الحربية المجلجلة، وخبٱ صليل سيوف مجاهدى الدفاع الشعبى ورصاصهم وخناجرهم المصوبة الى وجوه الخونة والعملاء، وبهذه المناسبة مررت الأيام الفائتة بمانشيت إحدى الصحف يتحدث عن إلغاء شعار (فلترق كل الدماء) وبطلانه! أضحت أنباء غزوات قوات النظام العام ومحاكمهم تذكر الناس بتجربتها البائسة المماثلة فيما عرف بمحاكم العدالة الناجزة على أخريات أيام حكم المشير جعفر نميرى (يرحمه الله)، لأنه فى كلا التجربتين يمكن ملاحظة عنصر أساسي مشترك هو (العرى الأخلاقى للنظامين ) ومحاولة تغطيته عبر التركيز على تغطية أجساد النساء.

انقضت أيام مايو بعد 16 سنة من التجريب شابها قسط كبير من التخريب،وبعد تقلب من اليسار مرورا بالتكنوقراط وصولا الى محطة اليمين الإسلامي، ومنذ تلك الأيام فى أوائل الثمانينات من القرن الماضي بدأت ملامح الحكم بالنظام العام، ولعل الذين عاشو تلك التجربة يجدون مطابقة الحال الآن بما كان، وهنا يشخص السؤال البديهي عن القيم الأخلاقية التى يراد فرضها عبر النظام العام، الملاحظ أن كل نشاط هذه القوات مركز على المطاردة للناس فى الأشياء الشخصية فى الغالب، مثل مداهمة شاربى الخمور أو الشقق بذريعة ممارسة الزنا والأعمال الفاضحة، والقبض على النساء بتهمة ارتداء الأزياء الفاضحة، ولعل اخر ضحايا تلك الهجمات صحفية شابة، ومن أشهر حوادث الزى تلك واقعة القبض على الزميلة الصحفية المعروفة (لبنى أحمد حسين) والتى كانت محاكمتها فصلا من فصول المقاومة وتعرية السلطة الحاكمة ومرمطة ما تدعيه من شعارات ومزاعم،وقد تحدت تلك السيدة بجسارة فائقة كل جيوش الباطل المدججة بالسلاح والقوانين المكبلة للحريات والفتاوى المضروبة، وبرزت محاكمتها كواحدة من فصول المقاومة الوطنية التى لاتنقضى. قلنا السؤال عن القيم الأخلاقية للحاكمين، تلك التى لا تجعل الأولوية لمحاربة الفساد، فيتم النهب الممنهج لموارد البلاد وثرواتها وتخريب الاقتصاد الوطنى عبر العمليات المشبوهة مثل غسيل الاموال وتجارة المخدرات وتهريب البشر والسلاح والتنزيل والمضاربة فى سوق العملات الصعبة، والتجنيب، فضلا عن المحاباة والمحسوبية، واستغلال النفوذ فى تسهيل عمليات الاستثمار، بل حتى استخراج الأوراق الثبوتية مثل الرقم الوطني وجواز السفر وغيرها من الممارسات المعروفة التى لاتحتاج الى توضيح، لم يتم التركيز على تحسين الأوضاع المعيشية لعامة الشعب، مع تصاعد الأسعار والغلاء الفاحش وانهيار العملة المحلية بصورة غير مسبوقة حتى لامس سعر الدولار الواحد حدود ال(30 الف جنيه) . فى العاصمة المنكوبة بكل سوء من تدني خدمات المياه والكهرباء وتلوث البيئة وتراكم النفايات والاوساخ فى الأحياء والشوارع وماتبقي من ميادين، وانعدام الصرف الصحى وانحسار الغطاء النباتي، مع الفشل فى ادارة المواصلات ومحطات البصات حتى بلغ الحال بوالي الخرطوم للتصريح بأن أزمة المواصلات لن تحل حتى لو انتهت رؤوس جميع المسؤلين عنها الى (صلعة) مثل صلعته، ومن قبل نسب تصريح مشهور للنائب الأول السابق الأستاذ على عثمان محمد طه المحامى مفاده أن حالة الفقر التى يعيش فيها سكان الخرطوم تدعو للتأمل فى جدوى الجهود التى تبذلها حكومته لتحسين اوضاع الناس، وفى بلد منكوب بالحروبات الأهلية والصراعات القبلية، وتنفصل بعض اجزاءه وتطالب أجزاء اخري بتقرير المصير الذى يقود للانفصال حتما، وتحت ظل حكم اسلامى يدعى سدنته (الحكم بما أنزل الله) تنشط كل الموبقات، وتفرغ البلاد من خيرة عقولها، ويصبح هم معظم الشباب مغادرة البلاد بطريقة منتظمة أو هروبا عبر المنافذ وفيافي الصحراء، وفى بلد تصرف فيه جل الميزانية على الأجهزة الأمنية والدستورية، فى ظل هذه الظروف تنشط غزوات شرطة النظام العام بالكشات اليومية لبائعات الشاى وصانعات (العرقى) ومصادرة مايمتلكن من أدوات عمل بسيطة يتم ارجاعها لهن نظير غرامة مالية أو عبر مزادات لذات الأدوات المصادرة، مما يعنى أن هنالك أموالاً كثيرة. يتم جبايتها من البسطاء والفقراء لينتفع منها المستبدون والمتسلطون على البلاد بشريعة (النظام العام)، وهنالك شكوك معقولة وأحاديث كثيرة متداولة عن حالات محسوبية ظاهرة حتى فى الظلم الواقع على الناس فهناك أحاديث عن أن بعض منسوبي السلطة أو من له سند فيها لايتم التعامل معه مثل أبناء عامة الشعب،مثل إطلاق سراح أبناء بعض المسؤولين لحظة القبض عليهم واقتياد الآخرين الى مخافر الشرطة بحسب إفادات منشورة لبعض ضحايا تلك الغزوات من الفتيات، وبالطبع فى أجواء الفساد العامة فى البلاد يمكن تصديق أى رواية عن وقوع مثل تلك الممارسات وغيرها كابتزاز الضحايا والتحرش الجنسى….. الخ. إن ممارسات مايعرف بالنظام العام تكشف بجلاء عن فشل المشروع الفكرى والسياسى بل والأخلاقي لسلطة الاسلاميين فى السودان، إذ كيف تتباهى هذه السلطة بالقيم الأخلاقية الرفيعة، وإعادة صياغة الإنسان السودانى وفقها، وبعد حوالى 30 سنة من الهيمنة والاستبداد تكون المباهاة وسجل الإنجاز بعدد الغزوات اليومية التى تنفذها قوات النظام العام ضد المواطنين!