لؤي قور

ضمن فعاليات احتفالها بذكرى مرور عام على صدورها، نظمت صحيفة البعث ندوة بعنوان “مشكلات تطوير اليسار العربي”، أمس السبت تحدث فيها قيادات الأحزاب اليسارية والقومية الأساتذة “اسحق شداد، كمال الجزولي، جمال ادريس، ويحي الحسين”. وعقب على المتحدثين الاستاذان فيصل محمد صالح، ومجذوب عيدروس.

استقلالية عن المرجعيات:

القيادي بالحزب الشيوعي السوداني الأستاذ “كمال الجزولي” قال في كلمته أن الحزب الشيوعي تميز باستقلاليته عن الحزب السوفيتي، وتمثلت هذه الاستقلالية في أربعة نماذج – على حد تعبيره – أولها أن الحزب الشيوعي السوداني نشأ بمعزل عن الحركة الشيوعية العالمية مما منحه “قوة تأسيس ذاتية”، فلم يكن الحزب الذي تأسس في الاربعينات ينتظر رأي السوفيت ويتبع النصوص اتباعاً أعمى، وعندما سئل القيادي بالحزب وقتها “حسن الطاهر زروق” عن إلى أين تقودون الماركسية قال: “لسنا مقلدين، ولنا مواقفنا المغايرة لهم من مسألتي الحريات والدين”. والنموذج الثاني هو تمسك الشيوعي السوداني بالديمقراطية الليبرالية. أما النموذج الثالث فيظهر في مؤتمر الاحزاب الشيوعية أواخر الستينيات، حينما رفض “عبد الخالق محجوب”، قرار السوفيت بالتحالف مع حركات التحرر الوطني والطبقة العاملة بسبب أن الإمبريالية ستستهدف هذا الحزب في أضعف حلقاته وهي حركات التحرر الوطني. والنموذج الرابع هو الموقف من مايو حينما رفض الحزب حل نفسه والاندماج في مايو  ودفع ثمن رفضه ذاك غاليا على اعواد المشانق.

ويمضي كمال للقول:”لم يكن هناك انتاجاً لفكر اشتراكي بشكل واضح نستند عليه، فضلا عن أنه لا بد من بناء الديمقراطية داخل أحزابنا وتحالفاتنا على قدم المساواة. ومن ثم هناك الموقف من الراسمالية، فكل اليسار العربي يدفع نحو الاشتراكية، لكن في بناء الاشتراكية نفسه هناك نماذج سيئة مثل نموذج هيمنة الدولة على كل شئ كما كان يحدث في النظام السوفيتي، الذي ورث دولته من القياصرة، بخلافنا نحن لأن فكرة الدولة غير عميقة بداخلنا، وهناك فئة راسمالية طفيلية مهيمنة على البلاد.  والصين أيضاً ليست اشتراكية، بل هي نظام يشبه طريقة السي اي ايه في تعامله مع شعبه، ومع بقية الشعوب، وهو استغلال للناس من أجل بناء الوطن!!

ونحن نحتاج للراسمالية الوطنية بلا ريب، ولو بدأنا في بناء العدالة الاجتماعية باتجاه الاشتراكية اليوم فنحن لا نحتاج لاقل من خمسة وسبعين عاما لانجازها، إذن لا بد من راسمالية وطنية تحدد لها مشاريع تنموية ولا بد من تحديد قانون استثمار واضح ومشجع، ولا بد من توحيد اليسار السوداني كضرورة موضوعية”.

انهيار النموذج:

القيادي بالحزب الناصري الأستاذ “جمال ادريس”، أكد على أن اليسار اليوم ضعيف، ولا وجود انتخابي له باعتبار الواقع المتخلف اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، بالاضافة لحالة “الحريات”، وواقع البنية الهشة للدولة، تصبح كل هذه العوامل من معوقات صعود اليسار، بالاضافة لعامل هام وهو انهيار النموذج الملهم لكل التجارب اليسارية، سواء كانت شيوعية أو قومية أو ناصرية. وانفراد أمريكا بالعالم، وصعود الديمقراطية، ومحاربة الغرب الامبريالي للقوي اليسارية وقوى التحرر الوطني، فحاربت حتى الانظمة اليسارية التي قامت في المنطقة، وصعود التيار الاسلامي في المنطقة، ودعمه بامكانيات كبيرة، وفي الماضي اخرج “السادات” الإسلاميين من السجون، فقط لإضعاف اليسار.

وأشار “إدريس” إلى إن التيارات اليسارية لم تطور نفسها، وبعضها لم يجد الفرصة لذلك وقال:”الآن ذهبت مرحلة الستينات وصار وجود الاستهداف لا يبيح انتقاص الحريات، وقوى اليسار نفسها لم تهتم بالحريات في نماذج حكمها،  فالاشتراكية لا بد ان تصحبها ديمقراطية، والاجتهادات في الجانب النظري لم تستمر ولم تتطور، وظهرت الصراعات داخل قوى اليسار وأحيانا داخل الحزب الواحد لأسباب ذاتية، وكان االناس “صوفيين” في التمسك بالتجربة حتى على مستوى النظرية والنصوص، وكان هناك فرص للتطوير اضاعتها هذه القوى كان من الممكن ان تنجح في مواجهة النظم المهيمنة، كما أن طريقة التفكير لدى الفرد العربي في العمل الجماعي “تبسيطية”، ولا يحبذون تكوين تحالفات كبيرة جريئة، على الرغم من انهم متفقون على الاشتراكية والحريات. لكن “رواسب الماضي” لا تفسح المجال لإدارة علاقات “مُعقدة” بينها. فتجد الصراعات حتى على مستوى القيادات وفي الممارسة يتضح ان التعامل مع ما يفرضه الواقع هو المهم وليس مدى الالتزام بالنصوص”

“وصراعات الماضي لها دورها السالب بالطبع، لكن المطلوب هو حوار واسع وبناء تحالف يساري عريض. ومن المهم التفكير بجدية وعقلانية في هذا التحالف اليوم وليس غداً، فما من شئ يمنع توحد القوى القومية، وأن تتحالف بعد ذلك مع الشيوعي لبناء يسار عريض، ونقص اليساريين هو نقص القادرين على التمام. فالبرامج والقضايا موجودة، وهناك تهديدات كبيرة ماثلة أمامنا”.

 

رؤى إصلاحية:

رئيس حزب البعث السوداني الأستاذ “يحي الحسين” قال إن أقدم حلف بين القوى الرجعية هو الحلف ضد اليسار وفزاعة “الإلحاد والدين”، لذا ظل اليسار في حالة قمع على الرغم من تنوع تعريفات اليسار، لكن بعض الانظمة اليسارية تحولت لانظمة “عشائرية”، تصب في نفس مصب القوى الرجعية الموجودة، وبعد ذلك تبنت المنظمات الدولية مبادئ حقوق الانسان لامتصاص زخم اليسار.

 وأضاف:” لو رجعنا للاعلان العالمي لحقوق الانسان، ستجده يتطابق مع برامج اليسار. وفي الماضي كانت “الأمم المتحدة”، منحازة في فترة الحرب الباردة، والتي ذاق فيها اليسار الامرين. وظهرت المنظومات اليسارية منذ نشأتها بمصاحبة اراء اصلاحية لم يعرها اليساريون انتباهاً، حتى اصطدموا بالواقع، وكسبت الرؤي الاصلاحية الرهان، لكن بعد فوات الاوان. وبعد أن تكبد الناس خسائر باهظة”.

 وزاد:” بعد تكوين الاحزاب متاثرة بثورة 1917 الروسية، بدأ الإمبريالية تعمل من اجل صناعة “الترياق الواقي” لليسار، وصنعت لذلك الحاضنات التي أنتجت بعد فترة الحرب الباردة، جماعات التطرف الاسلامي، ونذكر كمثال “القاعدة”، و”حماس”. لكنها افلتت من بين ايديهم وصارت عبئا عليهم في نهاية الأمر، على الرغم من تجلي الممارسة الديمقراطية في نموذج منظمة التحرير بصورة واضحة في وقت من الأوقات، وهو نموذج كان يمكن ان تطور ومن قادة حماس من جاء لفلسطين عبر بوابة تل ابيب!!

 واختتم الحسين حديثه بالقول:”لا بد لنا من يسار لاننا محتاجين لليسار، واليوم صار النموذج لبرنامج أي حزب هو الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة،  ومن لا يؤمن بالحرية هو خطر على المجتمع، وعلى اليسار السوداني المُقر بهذه المبادئ أن يتوحد”.