فايز الشيخ السليك 
 ربما لم تتح الفرصة لكثيرين/ت لمعرفة واقع المرأة في بعض مناطق شرق السودان؛ فللنساء قراهن المنعزلة وبيوتهن المنفصلة عن عالم الرجال. الرجال يتجولون في الأسواق، أو يقطعون  الفيافي على ظهور إبلهم، أو يقضون نهاراتهم في المضيفة يطهون طعامهم، يعدون قهوتهم، يستقبلون ضيوفهم ويكرمونهم شواء ولبناً وبناً ثم ينتظرون حتى حلول الظلام كي يتسلَّلوا إلى زوجاتهم متخفين عن أعين الآخرين ثم ينسحبون قبل أن يرسل الفجر أشعته الأولى.
و في الخرطوم؛ وفي عام 2008 كانت الأحزاب السياسية منشغلة بقضية “قانون الانتخابات و “الكوتة” والتمثيل النسبي ونسبة المرأة، كانت المعارضة تلوح بتحريك الشارع من أجل إبطال “مؤامرة ” تمرير قانون مفصل؛ كبقية القوانين على مقاس الحزب الحاكم، وبالفعل تجمعت ناشطات موزعات بين الحكومة والمعارضة، يهتفنَّ ” وكلٌ يُغني لليلاه” وفي ذات اللحظات و على مسافة أمتار قليلة من التجمهر النسوي  أمام البرلمان ظهرت شابتان في بداية العشرينات من العمر، سألهما أحد الصحافيين عن رأيهما في “كوتة النساء” ولما ارتبكت الفتاتان سألهما؛ ان كانتا جاءتا للمشاركة في “التظاهرة النسوية” فكانت المفاجأة أن الشابتين لا تعرفان شيئاً عن المظاهرة، ولا عن هدف المتجمهرات؛ و وفي النهاية سألهما “طيب ماشين وين؟” ردتا بكل برود نحو قاعة الصداقة ومشاهدة فيلم هندي. 
 ومشهد الأسافير؟ قبل أيام أجرت الأستاذة أميرة الشيخ عضو حزب المؤتمر السوداني مسحاً داخل احدى المجموعات النسوية في الفيسبوك عن موقف عضوات القروب من قوانين النظام العام، كانت النتيجة المذهلة أنَّ حوالي (٤٠٠) مداخلة من جملة ( ٥٠٠)  وقفت مع القانون الذي شرعه نظام الدولة الإسلامية؛ لكي يحط من قيمة النساء ويذلهن لضمان السيطرة على كل المجتمع.
ولو ربطنا المشاهد الثلاثة المذكورة لخرجنا بنتيجة واحدة؛ تتمثل في كبر حجم الهوة بين دعاة التغيير وبقية نساء السودان؛ ويبقى السؤال أين الخلل؟ وكيف تتم عملية ردم الفجوة الكبيرة بين نبض الشارع والعمل السياسي المنظم؟
في حوارات قبل سنوات مع صديقات من مبادرة ” لا لقهر النساء” التي انطلقت من مكتبي في الموءودة “أجراس الحرية” بمبادرة من ناشطات محترمات؛ كنت أشير إلى هذه الفجوة الكبيرة، وهي فجوة تسبب فيها النظام عن قصد وفق قوانينه وسياساته واستبداده وقمعه؛ إلا أن هذا لا يعفي ” رائدات التنوير” من المسؤولية. وأول مداخل الخروج من عنق الزجاجة تبدأ بمعرفة الأجندة وتحديد أولوياتها، وابتداع الآليات المستخدمة لمخاطبة الجماعات المستهدفة.
ولو بدأنا بالأجندة التي ظلت تطرح على مر سنوات سنلاحظ أنها أجندة ” خرطومية صفوية” كقضايا ” الجندر” وحرية الزي مثلاً. وعلى أهمية هذه القضايا؛ إلا أنني لا اعتقد أن مواطنة في تلكوك، ستهتم بمسألة” ارتداء البنطال أو الحجاب” أكثر من حلمها بالذهاب الى مدرسة أو ضمان ولادة في ظروف صحية تحترم انسانيتها ؛ فيما لا تهتم امرأة في الطينة بقضية “تعدد الزوجات” كاهتمامها بحمايتها من العنف الجنسي.
أما الآليات؛ فإن الأمر يتطلب البحث عن آليات مبتكرة وفعالة للتواصل المباشر مع النساء المستهدفات بالتغيير، وعتق القضايا من سجون ” الدوائر المغلقة” والقروبات ذات الاتجاه الواحد والمؤتمرات التي تمارس ” ديموقراطية رجع الصدى” أي التحدث مع أنفسنا ثم الاستماع الى أصداء اصواتنا فنظل ” خارج الشبكة” فوق برج عاجي؛ إن لم نتحول الى أعداء لمن نهدف لإشراكهم/ن في التغيير.