لؤي قور

ضمن  فعاليات الاحتفال باليوم العالمي للمهاجرين نظمت مؤسسة “سودان فيلم فاكتوري” بالتعاون مع “المؤسسة الدولية للهجرة”، و”مؤسسة كمبوني التعليمية”، أمس الأول عروض لخمسة أفلام قصيرة أُنتجت  خلال ورشة “انتقال” التدريبية لصناعة الفيلم، بمشاركة المخرج المصري “عماد مبروك”، ومن انتاج الأستاذ “طلال عفيفي” بمباني كلية “كمبوني” بالخرطوم، وبحضور مدير المنظمة الدولية للهجرة وإدارة مدارس كمبوني والسيد “وئام سويلم” قنصل جمهورية مصر العربية بالسودان، بالإضافة للفيف من المهاجرين والنشطاء والمهتمين.

وقُدمت في الحفل خمسة أفلام قصيرة كتبها وصورها وأخرجها صحافيون ومهاجرون، هي فيلم “هيلين”، ويتناول مفهوم الهجرة من منظور عاشقين بلغة “التكرنجا” الأريترية، وفيلم “حسين ريتشارد”، ويحكي عن الحروب وويلاتها كسبب من أسباب الهجرة، وفيلم “إعتذار” وفيلم “ماندالا”، الذي يحكي عن الموسيقى كآلية لتوحيد الناس من ثقافات مختلفة، وفيلم “كمبوني”، الذي يحكي عن مؤسسة كمبوني التعليمية بالخرطوم.  

أفريقيا بسواعد أفريقية:

مدير مدرسة كمبوني العليا الأب “نوربيرتو”، أشاد في كلمته بمؤسسة “سودان فيلم فاكتوري”، التي وصفها بأنها تحمل قيم التضامن والتعايش والحوار بين الأديان، من أجل عالم يسوده الحب والسلام. وقال “نوربيرتو” إن مؤسسة “كمبوني” التعليمية، تمثل هذه القيم في مجتمع السودان المتعدد الأديان والأعراق، وأكد على استمرارية رسالتها التي ابتدرها المؤسس الأول القديس المطران “دانيال كمبوني”، وهي “إحياء أفريقيا بسواعد أفريقية”، مشيراً إلى أن رئيس مؤسسة “سودان فيلم فاكتوري”، الأستاذ “طلال عفيفي” هو أحد خريجي مدرسة كمبوني.

نحو حياة أفضل:

المهاجرة إلى أمريكا الأستاذة “مزاهر صالح” الحاصلة مؤخراً على كرسي في مجلس بلدية “أيوا” الأمريكية  عن الحزب الديمقراطي، قالت أنها ولدت في جزيرة “مقاصر” شمالي السودان بالقرب من مدينة دنقلا، وأنها تلقت تعليمها الإبتدائي في مدرسة مصنع سكر الجنيد فـ”مدني” الثانوية، وجامعة السودان قبل أن تهاجر لأمريكا قبل سبعة عشر عاماً خلت، وقالت بأنها كانت تتخيل أن حياة أفضل تنتظرها بمجرد أن تطأ الأراضي الأمريكية، لكنها اكتشفت من خلال تجربتها أن الإنسان هو من يبني لنفسه حياة أفضل، بغض النظر عن المكان الذي يصدف أن يتواجد فيه، وأشارت “صالح” لاندماجها في المجتمع الأمريكي عبر العمل التطوعي في خدمة المجتمع المدني، ومحاولة تغييره للأفضل وتحسينه عبر مساعدة من يعيدون توطينهم حديثاً في التأقلم مع الدولة الجديدة، بالإضافة للعمل في عدد من المنظمات المهتمة بالعدالة الإجتماعية، فكانت من مؤسسي “مركز عدالة العمال” في مدينة “أيوا”.

وقالت “صالح” أنها تنظر بعين الرضا عن نجاحهم في رفع الحد الأدنى لأجور العمال من “7.25” إلى “10.10” دولار، وأنها عملت في ذلك مع الأقليات والطبقة الوسطى والبرلمانيين، وأصبحت جسر للتواصل بينهم مما أسهم في مساعدة مجتمعها المحلي، وأنها ترشحت لانتخابات المجلس البلدي لمدينتها، والتي أُجريت في نوفمبر الماضي فدشنت حملتها الانتخابية في مارس من العام الماضي، لتصير بعد فوزها أول سودانية مسلمة أفريقية تنال هذا المقعد في مجلس البلدية.

أفكار جديدة:

الأستاذ طلال عفيفي رئيس مؤسسة سودان فيلم فاكتوري قال أن العرض هو الأول لمجموعة أفلام تدريبية أنتجتها ورشة تعليم صناعة الأفلام بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة، وبمشاركة متدربين من خبرات مختلفة في محاولة لفتح أفق ونظرة جديدة للحكي عن طريق الأفلام، فكانت الورشة التي استمرت لأربعة أسابيع من العمل المتواصل، وظهرت فيها “أفكار جديدة”، تحتاج للمزيد من العمل عليها. وقال “عفيفي” أنه ومنذ سبع سنوات خلت ظلت مؤسسته تبحث في كيفية ابتداع أساليب جديدة لصناعة الفيلم من خلال التجريب والبحث مع قطاعات عريضة من المجتمع، وأنهم تلقوا دعماً مستمراً من القوى الإجتماعية المختلفة التي ضخت الدم في عروق التجربة – على حد تعبيره – ووصف الأفلام التي قدمت في العرض وفكرتها بأنها كانت مجرد حلم، “لكن عن طريق تسخير العقل والارادة تحققت الفكرة دون نقصان كبير في مراميها”، مشيراً إلى أن اختيار الهجرة كموضوع لها مثل تحدياً كبيراً”.

وقال “عفيفي” أن العالم قام على أكتاف المهاجرين، لافتاً النظر إلى أن السير الدينية تتحدث عن أن كثيراً من الأنبياء كانوا من المهاجرين كإبراهيم وموسى ويوسف وصالح ونوح وابراهيم والسيد المسيح، وأن المهاجرين ظلوا عبر التاريخ أشبه بـ”رياح”، تنقل العلم والحضارة والمعرفة من بلد لبلد، ومن اقليم لاقليم. وضرب مثلاً بالقديس “دانيال كمبوني”، المهاجر العظيم من شمال المتوسط، عابراً البحر والصحارى والدروب الوعرة إلى الاسكندرية والخرطوم وجوبا، حاملاً شعاره الخالد “بناء أفريقيا بسواعد أفريقية”، فنشر التعليم في الخرطوم والابيض وبورتسودان وعطبرة ليقدم صورة زاهية للمهاجر الذي يساهم في بناء الحضارات، وليس كمستهلك لها كما تحاول بعض الجهات العنصرية تصويره.

مدينة الهجرة:

ومضى عفيفي للقول بأن مدينة الأبيض – غربي السودان – كانت هي مدينة الهجرة بامتياز،  حيث شهد السودان عرض أول فيلم سينمائي فيها في العام “1912”، وقام بنيانها على أكتاف الأرمن والاغاريق والشوام. وأضاف أن الهجرة كانت في الماضي ظاهرة “طبيعية”، وكان المهاجرون متواجدون على مر التاريخ منذ عصر “أفلاطون”، و”هيباتا”، إلى عصر “دانيال كمبوني”. ومنهم من احتملته أفريقيا كمستعمر في الجزائر والسودان وزيمبابوي، إلى أن تغير الوضع، وجاء عصر الهجرة العكسية الحالي، بعد أن تحول جنوب العالم لـ”كابوس”، بفعل القتل والجوع والإغتصاب، يصدهم “حرس الحدود”، و”الأحزاب اليمينية المتطرفة”، وتُعقد المؤتمرات التي تهدف للحد من الهجرة حتى ولو كانت قسرية. والشباب الذين يحاولون عبور المتوسط اليوم ليسو شذاذ آفاق، بل هم ضحايا لهذا العالم المؤلم، فيجب النظر لهم وللهجرة بعين اكثر انسانية مراعاة للحق والتاريخ. وعلى الشعوب الأوروبية معارضة سياسات حكوماتها في تصدير الأسلحة تشجيعا لاستمرار الحروب، ومحاربة سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من اجل سياسا مالية أكثر رفقاً بالإنسان. وحيا عفيفي تضامن الشعوب وأرواح من ماتوا على الطريق، ومحاولة الإنتصار لقيمة الحياة.