فايز السليك

لا تحتاج المعارضة السودانية؛ لقراءة رواية ” حفلة التيس ” لماريو

بارغاس يوسا، الروائي البيروفي والصحفي والسياسي، الحاصل على جائزة نوبل.

ولا إلى قراءة رواية ” خريف البطريرك” للكولومبي قارسيا ماركيز لمعرفة

كيف يتمسك المستبدون بالسلطة ويتماهون في الدولة فيصبحون هم الدولة مثلما

هتف الفرنسي لويس السادس عشر ” أنا الدولة والدولة أنا”.

” وحفلة التيس” حدثتنا عن دكتاتور الدومنيكان تروخيو؛ وكيف مارس الفساد

والاستبداد، وكيف حول أسرته إلى أيادٍ باطشة للدومنيكان وسارقة لثرواتهم

على مدى أكثر من ثلاثين عاماً و” خريف البطريرك ” نقلتنا في عوالم “

دكتاتور كل الأزمنة”

وفي العصر الحديث؛ لسنا في حاجة للتذكير بمستبدين أمثال علي عبد الله

صالح والقذافي وصدام حسين؛ أهم زوايا مربع ” بين ليبيا والسودان والعراق

واليمن”, ذهبوا ثلاثتهم بذات السيناريوهات ولاقوا ذات المصير!

وحين يعلن دكتاتوراً عن “انتخابات” لا يمكن أن نتخيل أن رجلاً وصل الى

الحكم عبر صناديق الذخيرة، يمكنه نقل السلطة الى معارضيه عبر صناديق

الإقتراع! ولا يمكن أن نفكر مجرد تفكير أن من دخل قصراً من على ظهر

دبابة، يمكنه النزول منها ورفع اغصان زيتون لخصومه دليل التسامح والتسامي

والقبول بالأمر الواقع.

ورغم ذلك؛ تتجه ” قوى معارضة” للمشاركة في دعوة حكومة الانقاذ في

انتخابات يمكن أن تقام بعد عامين؛ ان لم تعلن السلطات الطوارئ والاحكام

الاستثنائية؛ واستمرار البشير بمراسيم دستورية يصدرها هو ليكون الحاكم

الأبدي للسودان، أو حتى تنصيبه ملكا مثلما طالب أحد ” المندغمين” في

مزايدات السلطة ومزادات التباري في اظهار الولاء والطاعة، فهو يعين ويعفي

مثلما أعلن البشير ذات نفسه!

وللبشير أن يسعى عن طريق المناورات والبطش لتثبيت أركان حكمه، و أن يفعل

ما يشاء، دون اعتبار للمعارضة، أو حتى بعض قيادات حزبه الصوري من الذين “

ناشدوه” بعدم تعديل الدستور، وهنا مربط الفرس! ماذا تتوقع من شخص لا يثق

حتى في قيادات حزبه! فأن رفض التنحي لهم فهل يمكن أن يجري تعديلاً

دستورياً ليترشح هو ثم يسلم السلطة بكل سهولة لخصومه؟! وأن يعمل على فتح

الأبواب المغلقة، من أجل دخول رياح تغيير، وتداول سلطة ” سلميا؟”

وإن كان للبشير الحق في ” أن يستمع الى ” وسوسة” الذين في قلوبهم غرض،

وأن يصبح ملكاً أو حتى أمبراطور كل العصور؛ فأن مسؤولية مواجهة هذا

الواقع تقع على قوى المعارضة المنظمة الغائبة، والتي لا وجود لمعظمها الا

فوق سطور البيانات؛ مع حالة ارتباك  في تحديد  الأولويات، وضبابية في

ترتيب الأجندات في كل خطابات المعارضات السودانية.

 و لو نظرنا للمعارضة من زاوية خطابها السياسي لكشفنا عمق الأزمة،

فالخطاب السياسي مكرور وبائس ولا يغري الناس بالالتفاف حول برامج وشعارات

فضفاضة؛ يعتمد معظمها على ” مهاجمة الحكومة، دون ابتكار وسائل جديدة و

ملامح “تغيير” أو “أمل بغدٍ زاهر.

وعلى عكس ذلك فقد ظلت معظم قوى المعارضة تنأى بنفسها عن الجماهير، وتشكل

منابر صفوية لممارسة ديمقراطية رجع الصدى عبر دور الأحزاب، والقاعات

الصغيرة والمغلقة لتتحدث فتسمع صدى أحاديثها.

ولذلك؛ فبدلاً عن القفز إلى ” مرحلة الانتخابات، فإن الأجدى التركيز على

الأزمة الاقتصادية، مع اقتراب إجازة الموازنة الكارثة؛ وتظل الأزمات

الاقتصادية مدخلاً مهماً  لحصا السلطة ا بدلاً عن ترويضها وكبح جماح

العمل المعارض “إلى حين مرحلة ” الانتخابات” وبعدها فليصبح البشير ملكاً؛

إن لم تختار المعارضة معركتها ومكانها وزمانها بدلاً عن الدخول في معارك

تحدد الحكومة أرضها وشروطها. وليرى أنه الدولة وليهتف ” عاش أنا”.