خالد فضل

كل عام وأنتم بخير , تهنئة مزجاة للبشرية عامة بأعياد الميلاد المجيد , وبصورة خاصة للمسيحيين  الذين يحتفلون بهذه المناسبة في 25ديسمبر من كل عام , ونخص أخوة لنا وأخوات في السودان الكبير بشطريه الشمالي والجنوبي , فما يزال النيل يجري في مساره الطبيعي , وما تزال جوبا أغنية عذبة على الشفاه مثلما الخرطوم لم تبارح هناك البال , تهنئة وتمنيات بعودة (أيا صفانا ) ونظل صابرين , رغم ضراوة الحروب السياسية والنزاعات القبلية , وسؤ الإدارة , وفساد الحكومات , والنزوح واللجؤ , وحالة الفقر العامة , والكآبة التي تكسو الوجوه , صابرين يا حزن الغنا على بلاوي المتسلطين من فئة الحكام الفاشلين , الذين كلما أشرق صباح جديد أشرق معه داء جديد وفشل جديد , وها نحن على أعتاب الكريسماس , وقد تم حذفه عمدا من تقويم الأعياد والمناسبات القومية والدينية في السودان , نكاية بمن ما يزال يؤمن بالمسيحية دينا ولو حمل الرقم الوطني ,أو أنشد (نحن جند الله جند الوطن ), هذا ضرب من ضروب الإزدراء بالوطن , أن يتم هكذا إلغاء تعدديته الدينية بمزاج الحكام , فلو كان هنالك مسيحي واحد في السودان يحق له أن يكون مواطنا كامل الحقوق , ومنها بالطبع حقّه في اعتبار مناسبته الروحية مناسبة ضمن تقويم الوطن , خاصة وأنّ ذكرى الكريسماس وعطلته المتزامنة مع عطلة الإستقلال ظلت ثابتة في التقويم الوطني حتى العام 2011م عندما أختار شعب جنوب السودان الإنفصال وتقرير مصيره بقيام دولته المستقلة , وذاك الإجراء لا يعني بأي حال أنّ السودان قد خلص لوجه (الكيزان ) يفشون فيه غبائنهم ضد شعبهم .  

فإذا كان الرئيس يعتبر التعددية نغمة , فإنّها في الواقع نعمة من أكبر نعم الله على السودان , فالنغمة الحقيقية هي الديكتاتورية والآحادية والإستبداد وما يتبها من فساد . كما أنّ حقوق الإنسان لا تبنى على قواعد أكثرية وأقليّة بل على حق كل فرد أن يكون ما يشاء دون غمط لحقوقه باعتباره فردا .

  صابرين , وجهاز الأمن يشكو الحزب الشيوعي لدى مسجل الأحزاب السياسية بجريرة فادحة , هي استضافته لنشاط من أنشطة (الجمهوريين ) , تلك فرية كبرى , فالجمهوريون في الواقع يشكلون أحد عناصر الإستنارة في بلد موبوء بالجهالة والتجهيل والتضليل  , فنحن في ظرف تاريخي يعلم فيه القاصي والداني أنّ الحقيقة هي العدو , والتدليس والكذب والتلفيق هي القيم الحاكمة والسائدة ولكن حتما سينبلج الضوء رغم العتمة الشديدة .

وإذا كان الحظر الغاشم قد طال الجمهوريين , وتمّ حرمانهم من حقّهم الثابت كمواطنين سودانيين في التنظيم والتعبير عن أفكارهم , وتمّ بالفعل إغلاق مركز الأستاذ مخمود محمد طه الثقافي , ومطاردة أنشطتهم أمنيا , فإنّ هذه الإجراءات التعسفية لم تنل من الجمهوريين , بل زادتهم تصميما على نيل حقوقهم , وهم في خندقهم يزودون عن حقّهم في التنظيم والتعبير يقف معهم أنصار الحقوق , وأرباب الإستنارة من كل حزب وتنظيم وقطاع من قطاعات المجتمع , فنحن في زمن لم تعد فيه الأسوار الأمنية بمنجية من طوفان الفكر الحر , فليجهد  الأمن نفسه في عمليات (التسوير ) تارة بالمنع وتارات بالخبس والإعتقال والتعذيب والمطاردة , ولكنه سيصطدم حتما بطوفان لا قبل له به ولو بعد حين ونظل صابرين .

 والعام يلملم أطرافه ليرحل , يتداول الناس أنباء مقتلة جديدة في بعض قرى (شرق النيل ) عزت الروايات من أفواه ركاب حافلات تلك الأنحاء أسبابها إلى نزاع حول (أموال وذهب ) وتهريب , والغريب أنّني سمعت الرواية بصورة تكاد تكون متطابقة تماما حتى في تحديد رقم المال محل النزاع من عدة مواطنين من مستخدمي الحافلات وفي أوقات مختلفة من اليوم , وكما نعلم فإنّ السودان بلد تنتقل فيه الأخبار بسرعة , بدقة أحيانا , وبإضافة (بهارات ) أحيانا أخرى , المهم أنّ هناك نزاع خلّف ضحايا من الجهتين , كأنّ بلادنا ينقصها ضحايا جدد . ومع ذلك تقرأ في مانشيتات بعض صحف الخرطوم , أنّ شباب حزب المؤتمر الوطني  يعلنون ( لا بديل للبشير في انتخابات  2020إلاّ البشير ) لا يدري المرء أيأسى لهولاء الشباب القنّع أم يأسى لحال وطن وشعب منكوب , أين ما يفترض قد غنموه من دورات تدريب وتأهيل وبعثات لأوروبا وأمريكا , فقد ظلت أفواجهم تترى إلى هناك , بل حتى ماليزيا التي أقرب إليهم من ( أمبدة كرور ) , ماذا استفادوا مما تلقوا من خبرات  ومعارف , أم أنّهم يذهبون إلى هناك لزوم (البزنس) وعقد الصفقات وحصد الدولارات . لو جاء الترشيح من أيّ قطاع غيرهم لقلنا , ولكنهم شباب لا خير فيه . وصنوهم عاصم عمر يخطو بثبات صوب عليائه  , وأندادهم في أوساط الصحفيين والصحفيات يواجهون القهر بجسارة , ولكنهم , فروع من أصل بائن الخبث فلا سبيل أمامهم سوى السير على ذات الطريق المفضي الى محاق , وسيأتي اليوم الذي ينكشف الغطاء عن كل زيف , ونظل صابرين.