د. ناهد : يخرج شخصية قطيعية

التغيير: أمل هباني

 سارة يوسف فتاة في العقد الثالث من عمرها ، كتبت  على صفحتها في الفيس بوك (منشورا  جريئا ) عن ممارسات تحرش تعرضت لها وهي طفلة في منزل أسرتها الممتدة ؛ من أقرباء يفترض أنهم يحموها ،وأحيانا كلفوا خصيصا بهذه المهمة بسبب غياب الوالدين ..و آخرين من داخل هذه الأسرة  كثيرا ما استغلوا الفرص ليتحرشوا بها في غرفة مغلقة أو مخزن مهمل أو حتى مناسبة إجتماعية …وختمت كتابتها ب :

عموما عموما

الأهل لادين لهم

النفاجات والبيوت ال مع بعض لادين لها

مخازن العيش لا دين لها

ال ناس ال بياكلوا ويشربوا مع بعض لادين لهم

المجتمعات المحافظة لا دين لها …

فهل كسرت هذه الشابة بتجاسرها على نمط حياة إجتماعي  حاجز الصمت عن (تابو )  لا يجروء أحد على نقده .وهو تربية الأطفال   في بيوت الأسر الممتدة ؟ هل هم بلا حماية وفي خطر دائم للتعرض لكافة أشكال الإساءة الجنسية ؟

المتحرش يسكن في الديوان :

تحكي  سارة لـ(التغيير) عن  تجربتها فتقول ؛ اغلب الممارسات التي تعرضت لها كانت في بيتنا من أشخاص كانوا يسكنوا معنا للدراسة في الديوان ( مكان استقبال الضيوف الرجال في البيت  في الريف السوداني  ).  لا أنكر أن الترابط الأسري في السودان  خلق أشياء جميلة في دواخلنا . لكن بالمقابل لم يخلق بيئة  آمنة للأطفال  طبعا .ومعظم التداخل الأسري ( ال ماعندو لازمة يمثل بيئة صالحة للتحرش ) فهل نضحي بأطفالنا ونجعلهم عرضة لهذه الممارسات من أجل الترابط الأسري ؟ تتساءل سارة التي حملنا سؤالها للدكتورة ناهد حمد الحسن الاخصائية النفسية بمستشفى الملك حمد بالدوحة  تقول أن الأسرة الممتدة في السودان جزء من ثقافة المحنة والبساطة والتضامن التي أبقت المجتمع  في رحابة رغم ضيق العيش فيه .وهو جزء من تاريخ السودان القائم على الإقتصاد والحياة البسيطة .لكن مع تطور الحياة وتعقيدها وانتشار التعليم والوعي لم يعد مناسبا .

 الشخصية القطيعية :

وهذا النمط من الحياة في الأسرة الممتدة (تواصل ناهد) يمحو الفردانية ويكرس للجماعية دون احترام حدود الخصوصية .وبالتالي يخرج أنماط شخصية متشابههة ، قطيعية (بها روح القطيع ) في الغالب .بينما تعزز الفردانية الخصوصية والإختلاف .

في السابق كانت الأسرة الممتدة آمنة بإزدحامها وقيمها الصارمة وقانونها الإجتماعي الرادع .واليوم تشكل هذه الحياة  في بعض الحالات خرق  لحماية الأطفال . إذ أنها تترك الصغار  عرضة للتتعرض  للأذى النفسي والعاطفي والجسدي ، باعتبار أن الجميع يربي ويقوم .ويصبح للطفل أكثر من مرجعية قيمية مما يجعله معرضا للتشويش والإرتباك .كما أنه  يكون متاحا للجميع بدون رقابة .مما يعرض سلامته للخطر إذا كان احد أفراد الأسرة معتدي .وفي كثير من الاحيان تضحي الأسرة بالطفل  المعتدى عليه وحقه ؛ من أجل تماسك الأسرة فتظلم الطفل الضحية مرتين حين الاعتداء عليه …وحين الصمت على ذلك الاعتداء .

تستطرد سارة بالفعل هذا الترابط خلق أشياء جميلة في دواخلنا .لكننا نضحي  بحماية  أطفالنا  ونجعلهم عرضة لهذه الممارسات . أن صعوبة التربية تكمن في هذه الوزنة تحديدا بين صنع جيل معافى من التحرش ،وفي ذات الوقت يقدم للمجتمع كل ما يستطيعه من قيم خيرة .

المدافعة عن حقوق الأطفال  أنوار سليمان توافقهما الرأي قائلة (لا اعتقد الأسرة الممتدة بيئة آمنة للطفل مطلقا .وربما تكون أشد خطورة من الشارع لتفضيل الأسرة التكتم والتستر على على كثير من الاعتداءات التي تقع على الأطفال  والمراهقين وحتى النساء البالغات .يحدث ذلك حفاظا على تماسك الأسرة ووشائج القربى التي تربط بينهم والسبب الآخر هو الخوف من الفضيحة والوصمة التي تؤدي للعزلة الإجتماعية التي تصنعها الوصمة في مجتمعاتنا الإثنية ، وطبيعة العلاقات القائمة على تعظيم دور القبيلة ، والحياة في مجوعات متكافلة ومتجانسة .اصبحت فيه الأسرة الممتدة امتداد طبيعي لنمط حياة متشابك تحكمه منظومة قيم وقوانين قوية جدا .وقد تغيير شكلها نتيجة لاختلاف واقع الحياة وايقاعها الذي اضحى سريعا ومنفتحا .

تمضي في ذات الإتجاه (م) وهي أم تعرضت طفلتها ذات السبع سنوات للإغتصاب من ابن عمتها المراهق والمقيم معها في (البيت الكبير ) .

تسترجع ذكريات حزينة وهي تحكي عن الأب الذي أصر على أخذ ابنته لتعيش معه في منزل الأسرة بعد أنفصالهما .وبعد الحادثة أرجعها للأم دون أن يخبرها بما حدث ،حتى حكت الطفلة وقامت الأم بفتح بلاغ في نيابة الأسرة والطفل .وجرت محاكمة الصبي اليافع ونال عقوبة مخففة لأنه مازال قاصرا.

السكن في منزل الأسرة الممتدة أكبر خطأ. تقول  صاحبة التجربة .لم أعد أثق في أي شخص .ولدي هاجس دائم بأن يتكرر ماحدث لها ، كما أن التربية تحتاج خصوصية وتنظيم وقت الأكل والنوم والدراسة وهو ما لا يتوفر .بجانب أنها يمكن أن   تمثل بيئة صالحة  لجرائم التحرش والإغتصاب والاساءة الجنسية

الآن أسكن أنا وأمي وأبنتي ولا تذهب الى منزل العائلة  الكبيرة نهائيا .ولو أرادت جدتها تسلم عليها بالتلفون .

قانون الطفل لم يجرم السكن في الأسرة الممتدة .ولم يجرم ملامسة الأطفال أو التعامل الحميم معهم  لكنه نص على عقوبات رادعة لمغتصبي الأطفال أو المتحرشين خاصة لو كانوا من داخل الأسرة .

وفي ظل إزدياد حركة الوعي بحماية الأطفال تزداد  الآراء المطالبة بخصوصية وحماية أكبر للأطفال في السكن بعيدا عن الأسرة الممتدة  .

فهل يودع المجتمع قريبا   القيم السودانية  التي تغنى لها شاعر الشعب محجوب شريف وعظم من شأنها حين قال :

ود باب السنط والدكة والنفاج ..والحوش الوسيع للساكنين أفواج

واللمة التي ربت جنا المحتاج .. والنار الدغش والريكة جمب الصاج