رشا عوض

مثلما تداهمك الدموع وتخيم عليك سحابة حزن في مقام هو  للفرح والبهجة، أو يشلك الإحباط واليأس في مقام يستوجب شحذ الهمم واستدعاء الأمل مقرونا بالعمل، وجدت نفسي أقف محسورة  أمام شاهد قبر “ثورة سودانية”  في وقت يئن فيه السودان تحت وطأة العذاب الأغلظ في تاريخه  مستغيثا ببنيه يستجديهم الاحتشاد من أجل الثورة ويستحلفهم بلسان حاله إشعال جذوتها في كل شبر لا البكاء على أطلالها !!

لم يكن سبب سباحتي المؤقتة التي تبدو ظاهريا عكس تيار واجب اللحظة التاريخية هو قراءتي لرواية زميلي وصديقي الأستاذ فائز الشيخ السليك “دي جافو” التي كان مسرح أحداثها في جبهة العمل المسلح بشرق السودان في تسعينات القرن الماضي وطرقت بجرأة على باب “المسكوت عنه في ثوراتنا المزعومة”؛ بل بدأت تلك السباحة منذ عام 2014 بعدد من المقالات المنشورة بصحيفة “التغيير الإلكترونية” حول مآلات العمل المسلح في السودان ابتداء من تجربة “الحركة الشعبية” في حكم جنوب السودان وصولا إلى مناقشة جدوى حمل السلاح في خدمة قضايا”الهامش السوداني” وجرد الخسائر المترتبة عليه في حياة ملايين السودانيين ومقارنتها بما تحقق من إنجازات سياسية واقتصادية لصالح تلك الملايين المعذبة التي ظلت على الدوام تدفع ضريبة الحرب اللعينة ثم تقبض الريح!! لا ريحا طيبة؛ بل ريحا صرصرا عاتية تقتلع البشر والشجر وتدمر كل الحاضر وبعض المستقبل!!

لقد آن الأوان فعلا لسبر أغوار  المأساة السودانية والتأمل العميق فيها؛ سواء بمجهر النقد السياسي والفكري المباشر؛ أو رد الاعتبار لضحاياها عبر تخليد معاناتهم في أعمال فنية وأدبية تروي قصصهم؛ تستشف أفكارهم وعواطفهم وأحزانهم وتستجلي مضامين تجاربهم؛ فمأساتنا تتمدد على ضفتي بحر الفجيعة: نظام حاكم منحط و”ثورات مسلحة” خائبة هُزمت لأنها غير جديرة بالنصر!  وربما تكون أكبر مشكلة يواجهها الروائي الذي يريد تصوير عهد الانحطاط الشامل هذا هي أن أحداث الواقع في غرابتها ومفارقاتها دائما ستتفوق على خياله مهما كان خصبا!

 “دي جافو” تعني تخيل شخص ان التجربة أو الموقف الذي يعيشه الآن قد مر به في الماضي ولكنه لا يستطيع استرجاع التفاصيل، وهي الحالة التي ظلت تسيطر على بطل الرواية خالد خليفة الثائر المحبط الذي تبددت أحلامه  منذ قدومه إلى أسمرا مجددا باكيا على أطلال مشاريعه الآفلة ومحاولا استرجاعها وهيهات! ولعل اختيار الكاتب لحالة ال”دي جافو” للبطل السوداني المحب لأرتريا يرمز إلى الرابطة العميقة بين البلدين والشعبين إذ يعتقد خالد أن روحه سبقته إلى ذلك المكان منذ أزمنة سحيقة، كما يرمز لحالة العقل السوداني المأزوم والمرتبك إزاء ما يحيط به من أزمات يعجز عن تفكيكها منطقيا وربطها بجذورها واستكشاف تفاصيلها مثلما تعجز الذاكرة في حالة “الدي جافو” عن إدراك تفاصيل الموقف الذي تخال أنها عايشته في الماضي!

“دي جافو” رواية صديقنا السليك الصادرة عن “أدال الفضائية للصحافة والنشر” عام 2015 م  مثلت لي شاهدا على “قبر الثورة السودانية المسلحة”! ليس فقط في جبهة شرق السودان بقيادة قوات التحالف، بل في كل مكان من هذا الوطن المنكوب شهد حربا من حروب التحرير المزعومة!

ركزت الرواية على غربة “الثوار الحقيقيين” داخل ثوراتهم في نموذجين هما الثورة السودانية والثورة الأرترية، دون إغفال الفارق وهو أن الأولى في مرحلة الثورة والثانية في مرحلة الدولة ولكن القاسم المشترك بينهما هو ان “الثورة حملت شعارات أكبر من قادتها فتحولت إلى أكاذيب” كما قالت احدى بطلات الرواية!

ولكنني رغم ذلك أجد ان لا أساس للمقارنة بين الثورة الأرترية وما سمي بالثورات المسلحة أو حروب التحرير في السودان رغم ان كليهما خذلت أبناءها المخلصين! فالفارق كبير جدا في مستوى الجدية  والانضباط واستيفاء شروط الانتصار! فمجرد المقارنة تظلم الرفاق الأرتريين رغم المآلات البائسة لدولتهم بقيادة أفورقي وفق معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان!

فآفة”الثورات السودانية المسلحة” لا تنحصر في القيادات الفاسدة والأنانية الغارقة في عبادة شهواتها  التي رمزت لها الرواية بذلك القائد الذي كان يقضي ساعات طويلة خلف جهاز التلسكوب مدعيا أنه يراقب من على البعد تحركات العدو إلا انه في الحقيقة كان يترصد خروج النساء لقضاء الحاجة فينظر إلى عوراتهن!!

الآفة الحقيقية هي غياب “التنظيم الثوري” الناضج الذي يربي منسوبيه على قيم التضحية وإنكار الذات والانضباط والشفافية والمساءلة، فلم يولد العمل المسلح في السودان من رحم تنظيم كهذا بل ولد على يد جنرالات منحدرين في الغالب من الجيش السوداني  وتحت ظلال بنادقهم وبقيادتهم العسكرية نشأت حركاتهم السياسية بلا تقاليد ثورية وبلا مؤسسية وبلا ثقافة تجرد لخدمة الشعب والاهتمام بقضاياه، فالقاسم المشترك الأكبر بينهم وبين الأنظمة الدكتاتورية التي يحاربونها في الخرطوم هو “الاستخفاف بقيمة الإنسان”  

لقد ذهب شباب سودانيون نبلاء وأذكياء وبروح ثورية حقيقية إلى ما اعتبروه”كفاحا مسلحا مشروعا” باحثين عن الخلاص لوطنهم، منهم من قضى نحبه في منازلة العدو، ومنهم من لقي حتفه في حفر “التعذيب الثوري”! أو بمعنى آخر “بيوت أشباح المعارضة” ومنهم من أعدمه قادة الثورة في محاكمات عبثية بتهمة الخيانة لمجرد احتجاجه على فسادهم او خوفا من منافسته لهم..

هذه خلاصة الصورة التي رسمتها “دي جافو” بتفاصيل موجعة  للثورة التي أكلت  بنيها وخذلت مناصريها.

وهكذا فتحت هذه القطعة الأدبية الأنيقة والقيمة باب الأسئلة الأخلاقية والإنسانية على مصراعيه حول تجربة “العمل المسلح” ولا بد من الغوص العميق في هذه الأسئلة وتقييم مجمل التجربة بصدق وشفافية كجزء من يقظة الضمير الوطني واشتشراف تجارب جديدة لمقاومة الاستبداد والفساد بأفق فكري وسياسي وقبل ذلك أخلاقي وإنساني مختلف.  

فالمواطنون الأبرياء في شرق السودان  الذين فُتحت جبهة  للحرب في أرضهم بزعم تحريرهم من التهميش الذي يتقاسمونه مع الجنوب والغرب عبر منازلة النظام في أرضهم لم يحصدوا من تلك الحرب سوى آلاف الألغام المزروعة في أرضهم والتي ما زالت تحصد أرواح الأطفال والكبار أو تبتر أطرافهم! لتكون الإضافة الوحيدة المحسوسة الملموسة التي قدمتها  “الثورة المزعومة” لهؤلاء المساكين هي شقاء جديد يمد لسانه لهم إلى جانب الجوع  والمرض والفقر والأمية!

والمواطنون في جنوب السودان غارقون في برك الدماء، والمجاعات والمآسي وقادتهم يرفلون في ذات النعيم الذي يرفل فيه لصوص المؤتمر الوطني! الجنوبيون  يفرون بمئات الآلاف لاجئين إلى ذات السودان الذي زعمت الحركة الشعبية أنها حررتهم منه فيما يفر القادة ثوار الأمس إلى العواصم الاوروبية والأفريقية الأنيقة التي يكتنزون فيها ملايين الدولارات من “فوائد ما بعد النضال”

أما في دارفور فانهزمت ثورة الثريا(نسبة الى الهاتف النقال ، وهذا اسم أطلقه عليهم رئيس دولة مجاورة ساخرا من ثورتهم التي لا مقومات لها سوى ثرثرة قادتها بالتصريحات الجوفاء عبر الثريا)، انهزمت غير مأسوف عليها طبعا، ولكن كل الأسف على الإقليم الذي استباحته مليشيات الدعم السريع واستوطنت فيه الفتن القبلية ونهبت ثرواته وتشرد مواطنوه ويحتاج إلى عشرات السنين كي يتعافى من جرائم النظام وآثار “ثورة الثريا”!

ان مشروع العمل المسلح في السودان  فشل فشلا ذريعا، وبقراءة مآلاته على الأرض لا يمكن الرهان عليه حتى في خدمة قضايا الأقاليم التي انطلق منها، وبالتالي فإن “المشروع الوطني” المؤهل للعبور بالسودان إلى الأمام هو مشروع فكري سياسي عابر للإثنيات والأديان والجهات قوامه تدابير واقعية وعملية لوقف الحرب واحلال سلام قابل للاستدامة عبر المصالحة التاريخية على أساس “العدالة الانتقالية” وصياغة برنامج قابل للتطبيق لتصفية آثار الحرب، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، التنمية الاقتصادية والبشرية المتوازنة، الوحدة الوطنية على أساس الاعتراف بالتنوع دستوريا والاحتفاء به وتكريسه في الإعلام والمناهج التعليمية، إعلاء خيار الاصطفاف السياسي خلف الأفكار والبرامج السياسية والتنموية والحقوق المدنية وتجاوز حالة الاصطفاف خلف الأعراق والإثنيات مع تصميم برامج ثقافية وإعلامية وتربوية لمكافحة العنصرية وتعميق الإخاء الوطني وتعميق الحس النقدي في الشمال والوسط تجاه الممارسات العنصرية التاريخية تجاه الجنوب القديم والجديد ودارفور ، وكل ذلك في إطار دولة علمانية فيدرالية ديمقراطية ذات نظام اقتصاد السوق الاجتماعي الملتزم بمطلوبات التنمية البشرية ومكافحة الفقر”   

ومثل هذا المشروع يحتاج إلى قيادات ملهمة تبرز من خلال حراك المقاومة اليومية للنظام، ونأمل أن يكون هذا الظلام الحالك إيذانا بانبلاج الفجر.