محمد بدوي

(1)

في مقال سابق بعنوان “عركي و الوجدان المسور بالجميل ” تناولت الحدث المرتبط بالفيديو الذي نشره الأستاذ ” عوض شكسبير” متناولا فيه الأستاذ” ابوعركي ” في الحفل الذي اقامته بعثة الإتحاد الأروبي بمناسبة “اليوم العالمي لحقوق الإنسان”  في تطور مرتبط بالحدث حملت بعض الصحف  خبر عن مثول الأستاذ “عوض “للمحاسبة أمام مجلس المهن الموسيقية و التمثيلية وفقا لذات  للخبر ”  أفاد بأنه مذنب ثم إعتذر عن الفيديو  و نشره “،  مضي الخبر الي  ” إستكتابه تعهد بعدم إصدار أو نشر أي فيديو غير لائق وخادش للحياه و مخالف للقانون”  إلي جانب تسجيل إعتذار عبر الصحف والتأكيد علي عدم تكرار مثل هذا الفعل .

(2)

في تقديري  أن ما صدر من المجلس مثل تطور سالب فاق جوهر الحدث الأساسي ، ، فالطبيعي أن  ينعقد المجلس  بناء علي شكوي من “أبوعركي “، حيث  لم يشر  استناد المحاسبة علي ذلك.

 الأمر الثاني المحاسبة بشكل عام تتم بسماع الطرفين أو من يمثلهما، فماذا لو لم يعلق  “أبوعركي ” علي ما صدر من المجلس بل ماهو  مصير  قرار المجلس أن رفض  قبول الإعتذار لأي سبب ؟

الهيئات مثل  “مجلس المهن الموسيقية و التمثيلية ” ، ” المجلس القومي للصحافة والمطبوعات ” و ” المجلس القومي للمصنفات الأدبية ” لها أدوار تتعلق بالتاهيل و توفير فرص التدريب بل التفكير خارج الصندوق يضع علي عاتقها تطوير المهن  تحت تفويضها  محلياً و إقليماً ودولياً ، لكن قصر ممارسة التفويض بالتركيز علي  تطبيق العقوبات ، ليس سوي إخضاع الإبداع للقهر فإن بدأ الأمر “بشكسبير” فهذا لا يعني أنه الأخير .

(3)

نشر الفيديو  الذي بسببه خضع  “شكسبير ” للمحاسبة أمام المجلس وجد تفاعلاً سليماً  واسع النطاق  تمثل في الكتابات التي إنتظمت الوسائط الإجتماعية والإلتقاط الذكي لقناه “سودانية 24″ ببث حلقة كانت في تقديري ناجحة بالنظر إلي خلفيات المتحدثين الاربعة الأساتذة ” البراق النذير ، حسين ملاسي ، فيصل محمد صالح و عبدالوهاب ” ” وفقا لترتيب التقديم” فقد  مثلوا تنوع من حيث وقوف كل منهم من الحدث و من جانب اخر خلفياتهم المهنية ” وفقا للتعريف الذي دفع به مقدم الحلقة ” دون الخوض  في  تفاصيل الحلقة لكن  اجمالا انها رسخت لاتفاق حول احترام مبدا حرية التعبير . و لحيوية مفهوم النقد ، لكن إن الذي اقدم عليه المجلس  هو إستمرار للدور الذي يعمل علي فرض رقابة علي الفضاء العام عبر  الإجبار علي ممارسة  الرقابة الذاتية  التي تتعارض و الإبداع .

(4)

قرار المجلس  جاء معيباً و مخالف للقانون ”  تعهد بعدم اصدار او نشر اي فيديو غير لائق و خادش للحياء و مخالف للقانون ” فاذا كانت المحاسبة مختصة بالواقعة المتعلقة بالفيديو الذي تناول فيه “أبوعركي” ،إذن ليس هنالك ما يسند التعهد الذي في تقديري يمثل “محاكمة للنوايا ” .

(5)

الجزئية الثانية من قرار المجلس جاءت ” تعهد بعدم إصدار أو نشر أي فيديو غير لائق و خادش للحياء ” لوهلة ظننت أن القرار صدر من أحد محاكم “النظام العام “، لكن يبدو أن مهمة صياغة الإنسان السوداني وفق الأيدلوجية السياسية تتكامل فيها الأدوار ، فقط دعونا نتساءل  عن  مفهوم ” خدش الحياء” وماهي معايير تحديد ذلك ؟ ومن يمتلك سلطة تحديد ذلك في ظل التنوع السوداني وماهي القيم المتفق عليها لكي يستند عليها الامر ؟ اليس الأمر مخالفه دستورية تتعارض وحرية التعبير ؟

(6)

قرار المجلس بإلزام الأستاذ “عوض” بالإعتذار  و نشره علي الصحف “لمن الإعتذار ؟  هل للجمهور ؟ و  هل يمثل المجلس الجمهور أم هو تعمد سياسي لتقمص دور الرقيب علي “الفضاء العام” ، في تقديري أن الأمر بين “عوض” والمجلس ليس بسبب حادثة الفيديو الذي تناول فيه الاستاذ “أبوعركي ” بل تم استخدامها كفرصة لوضع متاريس في المسرح العام ، و للتدليل علي ذلك لماذا الالزام بنشر الاعتذار في الصحف بالرغم من ان العمل محل المحاسبة نشر علي الوسائط ؟

(7)

في تقديري أن ما صدر عن المجلس في مواجهة الاستاذ “عوض” ،  ينتهك الحق في التعبير ، بل يعتبر   امتداد لوضع المتاريس في الفضاء العام ، عبر تطبيق سياط القواعد و اللوائح بما يضيق مساحات الابداع ، فكما أنتقدت شخصيا ” الفيديو من ناحية الأداء والمضمون ” في مقالي السابق ، لم أتطرق للإعتذار لانه يخص الاستاذ “ابوعركي ” في المقام الأول، ما قام به المجلس يحتاج إلي مبادرة لمناهضته عبر طرق الطعن ، و حث المجلس للقيام بتفويضه الحقيقي .

أخيراً  ان تجاوز ” شكسبير” في الفيديو الذي نشره متناولا ” ابوعركي” فهذا لا يعني ان نتركه ” كبش فداء ” للمجلس بل يجب دعمه لمواصلة نشاطه وفقا لحقه في التعبير  فمن خلال متابعتي لاعادة حلقة بثت بقناه “سودانية 24″ عرضت بعض اعمال ” شكسبير” فما قدمه تم بمجهود شخصي يمكن ان وجد الدعم  بكافة اشكاله ” المادية والتقنية و الفنية ” ان يتطور  ليصبح اضافة حقيقية .فما احوجنا لكل مبدع في ظل الراهن المعتم !