بثينة تروس

عجباً! على الساسة في بلادي، حين  يعجزون عن إصلاح فساد نظام الحكم !! وتغيير الحال البائس لشعوبهم!  تجدهم يعمدون في محاولة اكثر بؤساً!  لستر عورات فشل سياساتهم السابقة! والتي مكنت لدولة الهوس الديني في تراب هذا البلد! اذ يلجأون الى تذكير الشعب، بماضي هو جزء اصيل من مكوناته، ومحل اعتزازه، وفخره!!

 لكنه الان  في حاضره، غالبيته العظمي، لايملكون قوت يومهم! او علاجهم، بل يفتقرون  للأمان والسلام ، حتى فِي عاصمته!!  فلقد شهدنا كيف نجحت  وتفاقمت سياسات الحكومة، وانفراط عقد الامن،  في خلق حكومات قبلية، داخل الحكومة،  اذ هي تملك السلاح، وتحتكر سوق العملات، والذهب، وتحترب فيما بينها،  كما عصابات المافيا العالمية، بل وتملك القدرة لمسح مكتسبات دولة عريقة مثل السودان، وإرجاعها لعهود سحيقة من التشرذم  والانقسامات، حتى شهدنا قرع طبول ( النحاس) للحرب!  بين قبائل الفادنية والعسيلات!

بحال هو اقرب لايام  الثورة المهدية ضد الحكم التركي ! تلك الثورة التي  لها فضل عظيم لايمارئ فيه احد، فلقد هزمت الأتراك ودحرتهم ، ونجحت في رفع ظلمهم عن كاهل السودانيين! الذين التفوا حولها باجماع لإزالة  ظلم الحكم التركي!

لذلك مطالبة الرئيس التركي اردوغان، بالاعتذار عن ماضي الحكم التركي، يجب ان يتمدد ايضاً ليشمل الاعتذار عن مساؤي تنظيم الاخوان المسلمين!  واردوغان كما هو معلوم انه ربيب الاخوان المسلمين، وصاحب سهم عظيم في هذا الظلام الهوسي الكريه!  وتحاك في حكومته كل مؤامراتهم حول العالم! وزيارته اليوم  للبلاد  هي بدعوة رسمية من رئيس الدولة !! الذي شهدنا تخبط سياسات  خارجيته! في كل المحافل الدولية بصورة اهانت كرامة وسمعة هذا البلد!

لذلك  تبدو المطالبة ،في ظل  دولة هذا بعض  حالها وتوصيفها،  كأنها دعاوي صورية! تحاكي حال البلدان  الديموقراطية المتحضرة، ذات الشعوب المكفية الاحتياجات!! التي حكمت، وعدلت ، وسعت لتتويج شعوبها، بجميع حقوق الكرامة الانسانية!  ومن ضمنها تطالب بالاعتذار عن المظالم والأضرار التي وقعت في حق شعوبهم، ويعتذر حكامها بالانابة عن اخطاء من سبقوهم في الحكم في حق تلك الشعوب! ويملكون من القوة، وسيادة الدستور ، وسطوة القانون، مايستطيعون به التصحيح، ورد تلك الحقوق!! 

لذلك ان مطالبة الرئيس التركي، الاخواني،  أردوغان بالاعتذار،قبل ان يطأ ارض السودان! في الاوضاع الحالية، التي يمر بها السودان، هي مطالبة عاطفية! لن تعوق أهداف هذه الزيارة المريبة، ولن تؤثر في مجري السياسات الاخوانية بين تركيا والسودان!!

ولن تفعل غير ان  تتسول عاطفة الشعب السوداني! وتشتت جهده، وتصرفه عن الانشغال بمخططات حكومة الاخوان المسلمين!! وأهدافهم  من وراء تلك الزيارة!! وكم سوف يفقد من موارده، وكم سوف يسلب المتأسلمين من اقتصاده! وكم سوف يفقد من اراضية وموارده. 

 وان أردنا حقاً ان نثأر لكرامة هذا الشعب!  فان قطار  الاعتذار يبدأ  من محطات الجوار!!  فالنطالب  الحكومة المصرية ( المستعمر القديم المتجدد)!  وجميع رؤسائها  بالاعتذار ايضا،  للشعب السوداني ! والذي عاني  الأمرين من  شراكة المصريين للاتراك ! في الحكم الثنائي التركي- المصري للسودان!

فلقد عجت مناهجنا المدرسية بأسباب ذاك الاحتلال! واستقر في ذاكرة جميع التلاميذ، ان حملة الوالي العثماني بمصر محمد علي باشا، أهدافها جمع ( المال والعبيد)!  ولقد كان ظلم  المصريين أكثر من ظلم الأتراك وأشد ايلاماً !

ثم هم عادوا مجدداً لاذلالنا في شراكة الحكم مع الإنجليز!! ولايزالون لايحفظون للسودان حرمة! ويعتقدون ان هذا الوطن العزيز  جزء من مصر! وتشهد حلايب وشلاتين! علي واقع يوجب الاعتذار!!

ان ما يوجب حشد الحس الوطني الان!  ليس  وصول الرئيس التركي او مغادرته،  وانما ( إنقاذ ) ماتبقي من وطن! من براثن استعمار الاخوان المسلمين! من الذين هم في الحكم، او من الذين صاروا يتقافزون، في ثياب المصلحين! بعد ان استنفذوا كل فرص التحلل، والاستبدال، والتمكين! متملصين من فضيلة  ( الاعتذار)! عن اخطاء حكم تمدد خرابه، لقرابة الثلاثة عقود من الزمان! كانوا هم الشركاء والساسة، والمدبرين، والمنتفعين! وما لبسوا (جبب) المصلحين، الا بعد ان فقدوا مواقعهم، وتفرقت ( باصحاب الايدي المتوضئة) السبل! 

الحق يقال ان ثقافة الاعتذار،  درجة من درجات وعي الشعوب، وتقدم حس المسئولية لدي الحكام! وذلك ما لم نشهده!  في الحكام المسلمين والعرب، فهم قد وصلوا للسلطة عن طريق الانقلابات والملك المتوارث، ولم يتنازلوا عن الحكم طواعية، بل طردهم الشعب خارج بلدانهم كالصوص، وآخرون تم اغتيالهم بأبشع الصور التي لاتمت للرحمه الانسانية او الاسلام بصلة! وسط التكبير والتهليل ! بصورة همجية ترجع اصولها لعصور سحيقة من الفوضي والجهل.

لذلك حكامنا  في السودان ايضاً بهم مَس من ذلك الداء!! اذ  لم نشهد فيهم شيم الاعتذار عن مساؤي حكمهم، والأخطاء التي ارتكبوها في حق هذا البلد! بل اسؤا من ذلك هم يجدون للإخوان المسلمين الاعذار من شاكلة ( البشير جلدنا وما بنجر فيهو الشوك)!!   ويشاركون في برلمانه، وحواره الأعور الذي وثب نحو الخراب مزيد!! وتتمدد خيوط العنكبوت الواهمة! لتوصل بين  احد شقية من المتشاكسين في الحكم، علي أمل اذا اختلف اللصان! ظفر الشعب بالتغيير!!  

ولعمري ان الذي يوجب الاعتذار لهذا الشعب لكثير ومن أبرزه ، كيف عجز اكبر حزبين! تستند امال  الشعب عليهم! في عملية تغيير النظام ، من إقناع (فلذات أكبادهم )!!  بالاعتذار لهذا الشعب!! من ( عيب) تقلدهم لمناصب هامة، و مواقع حساسة، في  حكومة الاخوان المسلمين! مما  قد ساهم في تمديد عمر  هذه الحكومة! 

وللاسف قد اخفقوا  في ان يبينوا لهؤلاء الأبناء!! ان حكومة الاخوان المسلمين، حكومة ظالمة ، تاجر حكامها بالدين، والكذب بدعاوي تحكيم الشريعة الاسلامية، والعبث بها حتي أسموها ( المدغمسة)، وان هؤلاء المتأسلمين، قد باعوا والوطن ! وقتلوا انسانه في دارفور،  وشهدوا بأنفسهم علي جرمهم،  ولم يحفظوا لهذا الشعب ارثاً او تاريخاً، او حرمة، وان  نصيب الفقراء والنساء، فيه من المهانة لعظيم! 

 واليوم ان  زارنا اردوغان،  فلقد زار القدس! وعزف إعلام الشعوب الاسلامية والعربية،  علي وتر الحماسة الدينية، والعاطفة الاسلامية، متغافلين، انه لم يدخل القدس بجيوش الأتراك فاتحاً! لكنه مستأذناً ، من رؤسائها وكهنتها واحبارها!  مؤدباً، وملتزماً، لجميع شروط الزيارة! وبالطبع حشد الاعلام!  صور الفاتح الاردوغاني، لتخدير تلك الشعوب المنهكة من طاحونة الاحتراب الداخلي، وتشتري كل مايخدر ويسكن تلك الأوجاع و الاحزان!!

ولم يعني جميع ذلك   الاخوان المسلمين في شئ غير مصالح ومكاسب، ينتفع منها من هم في الحكم، وفتحت  مزيد ابواب الاستثمار، والثراء الحرام، لاسرهم، والمتمكنين، وغيرهم من الذين لايرجون زوال هذا النظام ! والمحصلة، حصد الشعب نقصان في الاراضي، وضعف للاقتصاد! ومزيد من الافقار، والضياع.

 نعم يستحق الشعب السوداني الكريم الاعتذار!  والذي بموجبه يتم حشد الحس الوطني، في الاتجاه الصاعد نحو ثورة تصحيحية، ابتداءً  بالمطالبة بالحقوق، والضغط لاكتساب مزيد من الحريات، والغاء القوانين المقيدة للحريات، والمذلة لانسان السودان، وان يلتف القيادات، والساسة، وزعماء القبائل  والطلاب،  للتفاكر حول ازمة هذا البلد، وإيجاد حلول لها!  

وخلاصة القول للذين يشهرون بالمصطلحات من شاكلة ( معارضة المعارضة)!!  فلتوجهوا تلك السهام! الي عمق الجرح حتي تخرجوا عطن صديده، وتنظفوا قيحه، فلقد هلك هذا الشعب من طول السهر والحمي!  فان التجارب التي لاتورث حكمة تكرر نفسها، و(إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم)..

ثم اننا نتوجه في هذه الأيام المباركات، بمناسبة الاحتفال بميلاد السيد المسيح عليه السلام، ونهنئ اخوتنا المسيحين بأفراحهم، ونتوسل لله بحق جاه أنبياءه  والمرسلين ، وصلاح اهل السودان، ان ينزل علي الارض السلام ، وان ينعم  علي اهل هذا البلد بالمسرة! وان يقتلع حكم الاخوان المسلمين من جذوره.