التغيير : قرشي عوض

اشارت القراءة  الاولية لميزانية العام 2018، بحسب خبراء التقتهم “التغيير الإلكترونية” الى استنزاف موارد البلاد الطبيعية، خاصة الذهب لتمويل واردات معظمها تفاخري، مما يعني ان مصير البترول ينتظر هذا المعدن.

ففي الوقت الذي شمل الانخفاض واردات مثل الآليات والمعدات وقطع الغيار ارتفع استيراد سلع الاستهلاك البذخي، مثل المعلبات والفواكه ومنتجاتها والخضروات والبسكويت والحلويات والمربات واللحوم والأسماك ومنتجاتها،  وكلها سلع يمكن الاكتفاء بانتاجنا منها.

وذكر الخبير الاقتصادي د/ صدقي كبلو ان تقديم الميزانية من ناحية شكلية كان في مواعيد ضيقة، مما يشير الى ان الجهة التي قدمتها لا تريد مناقشتها.  وان عددا كبيرا من اجراءاتها تم قبل اعلانها، مثل قرارات بنك السودان المتعلقة بأسعار الدولار والسعر الجمركي، وان هذه الخطوة تعني ضرائب  ضمنية رغم الادعاء بعدم وجودها،  وتزيد القيمة المطلقة للسلعة المستوردة.

ففي الوقت الذي تردد فيه الدولة انها تدعم المواد البترولية نجدها تتربح منها، كما ان حسابها لتكلفة الكهرباء يصفه الخبراء والمهندسون بانه أكثر من التكلفة الحقيقة.  واضاف كبلو بان الميزانية تحقق اكبر نسبة عجز في تاريخ الميزانيات في السودان على الرغم من حديث وزير المالية عن انه سوف يخفض نمو الكتلة النقدية، الشيء الذي لن يحدث في ظل الاعتماد على تسديد العجز بالاستدانة من البنك المركزي، الى جانب  ان دعوة تخفيض معدل التضخم غير منسجمة مع كل قرارات الميزانية، وان زيادة الدولار الجمركي ستزيد الاسعار بمعدل اكبر من الذي تنبأ به الوزير و سترفع زيادة الكهرباء تكلفة الانتاج الزراعي والصناعي وتدفع التضخم الى اعلى في كل المجالات.

هذا في الوقت الذي سوف ترتفع فيه كل أسعار السلع المستوردة بحسب الاستاذ عمر علي “للتغيير الإلكترونية”، مما يحدث ركوداً في السوق، والذي سوف يؤثر على ايرادات الدولة من الضرائب، ويزيد من حدة الفقر المدقع.  ويتفق عمر مع كبلو حول التعتيم الذي صاحب الميزانية، عكس ما كان يحدث في العهود الديمقراطية، حيث كانت تنشر في الصحافة. ويتضح ان اداء النصف الاول للعام 2017 كان يجب ان يقدم في شهر سبتمبر، بعد  3اشهر من شهر يونيو ولكنه تم تقديمه في نوفمبر وكان يحمل تاريخ اكتوبر، انه اتسم بتضخم بلغ 34%،على عكس مما حدد الوزير السابق بانه سيكون في حدود 17%، رغم وجود مؤشرات حينها على انه سيكون اعلى، مثل تقرير الجهاز المركزي للاحصاء الصادر في نوفمبر 2016 والذي توقع ان يبلغ 29%،عقب الاجراءات التي اتخذت لدعم الميزانية من تخفيض للجنيه وزيادة اسعار المحروقات والادوية، وهو معدل كان لابد ان يدفع للارتفاع في ظل سياسات تعتمد المزيد من التخفيض لسعر العملة كلما تدهور سعر الجنيه في السوق الموازي. وتوقف عمر علي عند الحديث عن رفع الدعم وقال انه غير موجود اصلاً، وهذا  يعني ان هناك اتجاه لرفع اسعار السلع المقصودة بالدعم بغرض التربح منها. واصفاً الميزانية بأنها لا تقوم على مصادر حقيقية. واشار كبلو الى انها رصدت للتنمية مالا يتجاوز 38%،وقد وصلت فيها قيمة الصادرات الى 298.7 مليون دولار، وبلغت منها قيمة الذهب 815 مليون دولار، في الوقت الذي صمتت فيه عن تحويلات المغتربين والسوق الموازي. واضاف كبلو  بان قراءة النصف الاول من ميزانية 2017 لا تدعو للتفاؤل، اذا قرنت بقرارات بنك السودان بتحويل معظم الواردات للاستيراد بدون تحويل ،مما يعني تعويم غير مباشر للجنيه. وان مؤشرات ميزانية 2018 وتصريحات وزير المالية تتوعد برفع الدعم المزعوم عن القمح وزيادة أسعار الكهرباء. كما ان الميزانية من ناحية المنصرفات تمضي على نفس الطريق القديم للميزانيات السابقة بتركيز الصرف على الدفاع والامن والمخابرات، وقد اضيفت اليها قوات الدعم السريع، بينما تهمل الصحة التي رصدت لها 2% والتعليم الذي رصدت له اقل من 4%،وهو اقل مما يصرف عليه في دول الجوار والدول الاكثر فقراً. مع اهمالها للشرطة هذه المرة وهو مؤشر خطير.

ويبدو ان نذر الميزانية قد سبقتها الى حيز التنفيذ،  فقد رصدت “التغيير الإلكترونية” في جولة قامت بها في السوق العربي  بالخرطوم، ارتفاع اسعار مواد البناء، واثرها على المبيعات بنسبة عجز بلغت 70%. حيث ارتفع سعر المروحة الاورينت من 700 جنيه الى 1000 جنيه،  وطن الاسمنت من 250 جنيه الى 350 جنيه كما سجلت أسعار الحديد والزنك والسيخ زيادات طفيفة.   وفي السلع الغذائية فقد ارتفع سعر جوال السكر من 600 الى 670 جنيه، ولتر الزيت من 34 الى 38 جنيه ورطل الشاي من 55 الى 65 جنيه، واللبن البدرة وزن 200 جرام من 20 الى 25 جنيه، وان بعض المحال توقفت عن بيعه، والارز المصري من 190 الى 210 جنيه،  وكرتونة الصلصة من 235  الى 245 جنيه.

وتعكس الميزانية الجديدة بحسب امين سعد عضو قيادة قوى الاجماع الوطني سيطرة الطفيلية الاسلامية على عصب الاقتصاد، في الوقت الذي تعاني فيه من انسداد الافق السياسي امامها نتيجة سياسات النظام الرعناء في الداخل والخارج، مما يضعف الامل في أي امكانية للمعالجات الفنية الاقتصادية للازمة في ظل وجود هذا النظام .