خالد فضل

  السودانيون الذين تجاوزت أعمارهم الأربعين عاما الآن , يحنّ معظمهم إلى الماضي تقريبا , ما أن يتم فتح أي موضوع للأنس في أي مجتمع إلاّ وتجد المقارنة حاضرة بين وقائع الحدث موضع الحديث وبين ما كان عليه الحال قبل أزمان , وهي حالة يصنفها البعض بالظاهرة النفسية المرضية , ولكن هل صحيح أنّها دلالة أو إشارة إلى علّة نفسية , أم أنّها في الحقيقة  تعبير عمّا يصيب الناس من احباطات الواقع ؟ تابعت قبل يومين حديثا لأحد الشيوخ في حافلة المواصلات في الخرطوم , كان يتحدث إلى مجاوريه بصوت مرتفع , وهو يعقد المقارنات السريعة بين تجربته في العيش وما يحدث الآن , وكان يجيب بثبات وثقة على أي مداخلة تأتيه من متابعي حديثه , عرّج على عدّة مجالات في الحياة من بينها أوضاع التعليم , وكيف أنّ ميزانيته كانت 5 مليون جنيه فقط لكنها كانت كفيلة بالوفاء بكل ما تتطلبه العملية التربوية التعليمية من مرتبات المعلمين والعاملين إلى الرحلات والأنشطة التربوية /التعليمية المصاحبة وما بينهما من تدريب وتأهيل , ومناهج ومقررات دراسية , وتجهيزات لوجسية ومعينات إلخ .. مع كفاءة عالية في أي منشط , لم يستطع أي راكب أن يقدم صورة مماثلة من الراهن , بل كان تأييد ما طرحه من مقارنة هو الرأي بالإجماع (حتى السكوتي). تذكّرت أنّ أجهزة الإعلام الحكومية والحكومية (باللّفة) كانت في تلك الأيام تنقل في فعاليات الدورة المدرسية من ولاية كسلا , وتتسابق أخبار افتتاحها  بنائب الرئيس وختامها بالرئيس , جالت في خاطري وقائع ما جرى في مدرستي قريتنا الثانويتين للبنات والبنين , إذ تمّ معاقبة النجاح والتفوق فيهما بالدمج في مدرسة واحدة سميت (مشتركة) نكاية بالمعلمات والمعلمين الأكفاء الذين بذلوا جهدا مضاعفا من أجل تحقيق نتائج عالية خاصة في مدرسة البنات اللائي حققن تفوقا بارزا أهّل عددا منهن للمنافسة على الكليات الجامعية الرفيعة , هذه هي وقائع اليوم وبلادنا تدخل عامها الثالث والستين بعد جلاء آخر جندي انجليزي عنها ومغادرة الحاكم العام فتأمل في شيخوخة الوطن يا صاحبي .

  ما طعم الوطن الآن وهو في سن الشيخوخة ؟ أما يزال الوعد به وفيه طازجا ومنعشا للآمال ؟ هل تمّ عمليا رعاية هذا الوطن وتعهده باعتباره موئلا لنا جميعا  ورثناه عن أسلافنا ونشأنا في ربوعه , بل هل كل أرجائه لنا وطنا نتغنى بحسنه صدقا واخلاصا , أم الحديث عنه لا يتجاوز (مضمضة الشفاه) والخطب الحماسية , هل ثمّ ما يشير إلى تأكيد هذه المعاني , والهوية السودانية لم تحسم بعد , الحديث عن المواطنة وحقوقها لا ينعكس في واقع حياة الناس , ولأنّ فترة حكم الإنقاذ الحالية تقدّم  أفضل مقياس للتأمل في حال الوطن باعتبار طول مكوثها على سدة القيادة , يمكن تبعا لهذه الوضعية أن نقيس بأدائها , أداء أبناء الوطن المستقل تجاه ما يفترض أنّه وطنهم , وهنا تعظم الخيبة مع الأسف , إذ ما من سؤة وقلة أدب تجاه الوطن لم يرتكبها هذا النظام الباطش بكل مقومات الوطن بشرا وشجرا , وبزعم انقاذه تمّ تدميره , حتى تغيّر طعمه لدى معظم مواطنيه , صار علقما , والإنتماء له بات عبئا ثقيلا , فغادر الجنوبيون حينما لاحت فرصة المغادرة بنسبة تلامس حدود الـ 100% , لم تعكف الفئة الباطشة على عمل (هوم ويرك) لتبحث أسباب هذا الإنفصال ونسبة المصوتين له ذات الدلالات الواضحة , لكن تمّت المكابرة كالعادة , فليس للوطن عندهم وجيع , ويتقلّص وجوده عندهم أكثر لحدود (ذمّ )  التعددية الدينية والثقافية والعرقية بجعلها دغمسة تتطلّب الترقي لمفاهيم حقوق الإنسان ومعاييرها الدولية ,وهذه المفاهيم من المنكرات عند تنظيمهم باعتبارها رجسا من ابتداعات الكفار . ففي وطن مثل هذا الذي يسودونه قهرا وقسرا , لا يجوز الإعتراف بآخر من حقّه أن يكون كما خلقه الله ناهيك من أن يختار ماذا يكون , هذه إحدى مواجع الشيخ (الوطن) إذ يُعامل من بعض أبنائه العاقّين كـ(جولكين) لا يعرف ما ينفعه ويضره , لذا يمكن أن تتقاصر هامة الوطن إلى حدود مثلث حمدي المشهور ولا تثريب , فتأمّل في مأساة هذا الشيخ , الذي يعتبر بتر أجزائه محل حفاوة من قبل بعض أولاده , فينحر ذاك الماجد ثورا أسودا ابتهاجا في يوم البتر .

  إنّ طعم الوطن قد تبدّل , ولونه وشكله , ولا يوجد من الأجيال التي عاشت قبل الإنقاذ من يرضى عن مآل البلد الآن , كل شئ اختلّ في الإقتصاد والرياضة والزراعة , في منظومة القيم , وتربية الأبناء وصلات الرحم وتماسك الأسرة الواحدة , النزاهة والإستقامة , صارت من عناوين (البلادة والغفلة ) , أما جهاز الدولة فقد تمّ الإجهاز عليه بذريعة التمكين لـ(أحباب الله ) , وعاد قائل منهم يقول مؤخرا  إنّ التمكين لا يعني إقصاء الآخرين , بالله , أين كنت يا شيخ علي وكشوفات الفصل التعسفي تطال السفراء والخفراء على حدّ سواء ؟ ويتواصل نزف الوطن وجروحه الدامية بفتح جبهات القتال بين بنيه بدواعي السياسة التي تتحوّل سريعا إلى غبائن بين الجهات والقبائل والعشائر والقرى والفرقان , ولا يسلم جزء من العطب العام , ولا منشط أو مضمار , وتتبارى الإذاعات في هذه الأيام بسرديات وأدبيات الإستقلال , ويذيعها بعضهم (الإستغلال ) على قاعدة الخطأ الذي وافق الصواب , وطعمه كيف عند مواطن في الأنقسنا , كيف عند آخر في صياصي دارفور , كيف عند من اعتصم بكركور في جوف الجبال , أ تصله موجات أثير أم درمان تحكي له عن حكايات الوطن وهو الذي لم يذق له طعم ؟.

   الاستقلال وذكراه سادتي لا تعني نشيد وخطاب حماسي وآحادية في الضخ الإعلامي , الاستقلال أكبر معنى وأعظم من أن تكون البلاد ضيعة خاصة ببعض السودانيين وجلّهم مهمّش  ومحروم , الاستقلال الحقيقي هو سيادة المواطن وليس حكم جهاز الأمن ومليشيات حميدتي وشلّة حول الرئيس , الاستقلال يبدأ ببداية استعدال بناء الوطن وكنس كل المعيقات أمام عافيته , هذه هي قيمة البلد وطعمه اللذيذ شابا وشيخا , لا معنى لاحتفال محنّط , وعطلة ميّتة فوق جسد وطن يئن وينزف .