التغيير : قرشي عوض

اعتمدت حكومة المشير عمر البشير  في الايام القليلة الماضية التي اعقبت إجازة ميزانية ،2018 التي سوف تنشر الجوع وتعمق الفقر حسب مراقبين  على ترديد “الاكاذيب واشاعة التهديد” دون التفات لحجم التناقضات التي يقعون فيها على حد قول خبراء اقتصاديين ونشطاء سياسيين .

زعم وزير المالية موازنته تهدف لرفع الانتاج والانتاجية وأن لا ترتفع أسعار السلع الضرورية وأن الارتفاع سيقتصر على الكماليات فقط ،وهو ما أكده  وزير التجارة حاتم السر الذي تحدث  عن إعفاء سلع استهلاكية (الدقيق، الزيوت، الأرز، العدس، السكر) من الجمارك والرسوم والضرائب، محملاً السماسرة والوسطاء مسؤولية ارتفاع الاسعار وليس سياسات الحكومة، أما نائب الرئيس حسبو فقد لجأ الى الاسلوب الذي يعرفه وهو التهديد بقطع الاعناق لكل من يخرج الى الشارع.

وبحسب خبراء اقتصاديين وناشطين سياسيين التقتهم “التغيير الإلكترونية” لا تملك الحكومة أي حلول اقتصادية فنية للأزمة، التي ادخلت فيها الاقتصاد السوداني. ووصفوا حديث حاتم السر بانه مجرد أكاذيب. وبحسب البروفيسور حسن بشيرفإن  الحكومة حررت سعر القمح الذي كان مدعوماً، وارتفع من 165 جنيهاً الى 550 جنيها، لذلك أي حديث عن دعم الدقيق يدخل في دائرة الخداع. واشار الى ان نشاط الوسطاء والسماسرة هو مسؤولية الدولة. في الوقت الذي قلل فيه من حجم هذا التأثير، لان القمح بالذات تستورده الشركات الكبيرة وتسلمه مباشرة للمخابز.

وفي ذات الاتجاه قال البروفيسور عصام بوب ان زيادة أي سلعة تزيد كل السلع وان أي اجراءات اقتصادية للحد من ذلك تكون بمثابة الوقوف في وجه قانون طبيعي. وان انخفاض الاسعار لن يحدث مالم تكون هناك اسعار حقيقية.  والمح الى ندرة في المواد المستوردة، وان السلع التي ذكرها الوزير حتى اذا قامت الحكومة بالغاء الضرائب عليها، فانها سوف تتأثر بالدولار الجمركي، وتساءل بوب اذا كانت هنالك مضاربات في السوق فلماذا لا تقوم الدولة بتوزيع السلع التي حددتها بنفسها،  لان هذه السلع  طالما ان من يتحكم فيها هم أفراد، فانهم سوف يرفعون سعرها، وان المسؤولين  لم يتوقفوا امام ارتفاع سعر السكر، لانهم في نفس الوقت يتحدثون عن خروج الدولة عن التحكم في الاقتصاد.

ووصف الناشط السياسي عمر على  حديث الوزير بانه للتضليل في ظل رفع اسعار الدقيق الذي يتحدث عن اعفائه من الضرائب والجمارك مع سلع اخرى،  موضحاً ان السماسرة هم شركات “الامن الاقتصادي” التي تسيطر على كل السلع التموينية وتتاجر حتى في الدواء.

وقد ذكر قطاع الاطباء بالحزب الشيوعي في ندوة بالخرطوم الاسبوع الماضي ان هناك عددا خرافيا من هذه الشركات تقوم بتخزين الدواء في الاحياء، لا نها تعلم ما سيحدث للدولار الجمركي، باعتبارها هي الحكومة. واضافت انتصار العقلي من قوى الاجماع الوطني، بان هناك شبكة تسيطر على السلع التي ذكرها الوزير في كل السودان، وان تاجر القطاعي الذي نلقي عليه باللوم يقع في اخر السلسلة، وهو يكتوي بما يكتوي به المواطن. ووصف بهاء الدين ادريس الناشط السياسي في المعارضة، ارتفاع الاسعار بانه احد اعراض الازمة الاقتصادية، ولا يمكن معالجته بشكل منفرد.  ووزير التجارة يعلم انه ليس في المستطاع ان تظل سلعة منخفضة بمعزل عن الاتجاه العام للأ سعار. وان الجمارك ليست وحدها المحددة ، وهناك غيرها، وعدم رفعها او اعفائها لا يضمن  استقرار الثمن.   والحديث بغير ذلك تضليل.

وفي رده على حديث وزير المالية بان الميزانية مصممة لرفع الانتاج والانتاجية يشير بوب إلى أن  اكبر معوق امام ذلك هو اضطراب السياسات الاقتصادية وانخفاض القيمة الحقيقية للجنيه السوداني وارتفاع الضرائب. والمخيف في حديث الوزير هو ان الامور اذا لم تعالج فانه سوف يلجأ للتضييق على المواطنين، مما يشير الى ان الميزانية لا تعتمد على مصادر حقيقية من الانتاج، ولكنها تعتمد على فرض الضرائب، وهذه هي المشكلة الحقيقية،  لان هناك حديث عن زيادة حجم الكتلة النقدية غير مسبوق  بمعنى، ان طباعة الورق لا تتناسب مع حجم الانتاج، وبالتالي فان الرد الطبيعي هو انخفاض سعر العملة.  ويتفق حسن بشير مع بوب بان تكاليف الانتاج نفسها ارتفعت، لان هناك منها ما هو  مستورد.  وحتى اذا كانت محلية،  فسوف تتأثر بالغلاء والضرائب وزيادة اسعار الكهرباء والدولار الجمركي، وهو اثر سوف ينتقل ليعم كل الاقتصاد. كما ان هذه الموازنة عمرها سنة، ولا تحتمل برامج انتاجية، قد تتجاوز هذا القيد الزمني، وستؤثر  على التنمية، مع الوضع في الاعتبار ان الصرف على هذه الاخيرة مع  البنيات التحتية كان منخفضاً جداً، ويخلص الى ان الانخفاض في القوة الشرائية لن يعالجه أي اجراء اقتصادي،  ( فالفأس وقع في الراس فعلاً)، وهذه الميزانية لا سبيل غير مراجعتها، خاصة في وضع الدولار الجمركي والخبز.