لؤي قور

تقع الرواية في “478” صفحة من القطع الكبير، وهي من تأليف “عبد الرحيم محمد صديق”، ومن إصدار دار عزة للنشر والتوزيع. و”الباشبوزوق” كلمة تركية  الأصل، وتعني الجنود غير النظاميين قبل أن يقوم محمد علي باشا بتنظيم جنوده، ويتألف “الباشبوزوق” من الألبان والأكراد والشركس، واشتهروا بالفوضى والعنف وكان الاستعمار التركي والبريطاني للسودان شكل فرقاً من “الباشبوزوق”، كان من بينهم بعض السودانيين لجمع الضرائب وأداء المهام القذرة. وتصف الرواية واقع البلاد في الحقبة المهدية من ضائقة إقتصادية وخوف ظل يلف الناس، وجملة قوانين استثنائية في ظل حكم الفرد المسنود بالقداسة الدينية تركت الكثيرين داخل أسوار سجن “الساير”، وهو أول سجن يبنيه الخليفة عبدالله محمد آدم “التعايشي” ليُسمى على اسم أول مدير له “إدريس الساير”.

لمحات من الواقع:

ويعطي الكاتب لمحة في بداية الرواية عن الواقع في دولة الخليفة وتأثيره على البسطاء وغمار الناس فيقول:”في ضياء فجر يعرفون كذبه، راح الصيادون يشدون شباكهم بما حملت من صيد الليل إلى مراكبهم بهمة ودندنة خافتة خوفاً من جنود “الخليفة”، الذي كان قد أصدر منشورات حرم فيها الغناء والضحك بصوت عال، وعلى الضفاف بلاد ينام أهلها فوق جبال من الصبر وهموم كالجبال، يتغطون بها، تصحو بغير منام يبتسمون بفرح وثقل الشباك ينبئهم بصيد وفير”. كما تعطي الرواية لمحة كذلك عن مجتمع الخرطوم ما قبل معركة التحرير، والمكون من الإنجليز والأتراك والمصريين والسودانيين وشبكة العلاقات المعقدة بينهم وطريقة تعاطيهم وتفاعلهم مع بعضهم في ظل واقع المهدية المعقد والجديد. وتلقي الرواية الضوء على تلك الحقبة من خلال شخصية عبد العزيز “الباشبوزوق”، الذي كان يعمل في قصر “غردون”، وابن أخته “قدورة” الذي توسط له خاله لينضم للباشبوزوق هو كذلك ويقع الإثنان معاً في محنة دخول البلاد في حقبة المهدية وانقلاب حياتهما رأساً على عقب.

نظرة مغايرة:

وعلى غير ما اتجهت أكثر الأعمال الأدبية والتاريخية إلى تناول تلك الحقبة “من الخارج”، لتُلقي الضوء على معارك التحرير التي خاضتها الثورة المهدية، وصراعاتها مع دول الجوار الواقعة بدورها تحت الإحتلال فقد تناولت رواية “الباشبوزوق” الوضع الداخلي في السودان حينها، والدائرة الضيقة لمجتمع المدينة المتماهي مع المستعمر حينها، وهو يستقبل “تحرير الخرطوم”، وتغير النظام في ترقب وخوف عظيمين، والنظر إليها كردة إلى واقع الحكم المتخلف الذي يُجلد فيه الناس على الملأ لمجرد تعاطي “التمباك”، ليصير الخوف هو سيد الموقف، وتصير النجاة من براثن دولة الخليفة وجواسيسها هو غاية الامنيات، خصوصاً عند أصحاب السوابق في التعاون مع المستعمر، فالبعد عن مجلس الخليفة بالكلية مُضر كما أن الإنغماس فيه بالكلية مُضر أيضاً. ويبقى الرهان عند هؤلاء على الإبقاء على مسافة بينهم وبين الخليفة تتيح لهم الحياة دون إثارة انتباه ذلك المجلس المُربك والمُخيف.

يقول الكاتب في جانب من الرواية واصفاً شعور “قدورة” عندما أرسل الخليفة في طلبه بطريقة غير لائقة:”عرف مقدار ورطته على وجه الدقة وهو من كان يتفنن في نصبها للآخرين، فالخليفة وشقيقه “يعقوب” عندما يكونان راضيان عن الشخص ويريدانه، يرسلان له شخصاً مهماً، أما المغضوب عليهم فقد كان يُرسل إليهم عبدا من العبيد لجلبهم صاغرين. شعر بالدنيا تدور من حولهم. بالأمس عندما وصل من “المتمة” عقب المذبحة التي نفذهاالأهالي لجيشه الصغير. تحدث للخليفة، وكان “يعقوب” جالساً لم يعلق بكلمة. بدا غاضباً، لكنه كان يريد أن يتحقق من روايته، وعرف أن في الأمر مصيبة وإلا لما تجرأ عليه العبد لا بد أنه سمعهم يتحدثون عنه في مجلس الخليفة بالسوء ولم سيكن بالحجرة نافذة من الجهة الخلفية للبيت تلكأ لكن العبد كان يضغط على خشب الباب ويكاد يكسره وهو يزمجر كالكلب المذعور فخرج والماء يقطر منه لف عمامته على عجل ناسياً الطاقية في الطريق أدخل في جيب العبد صرة من الريالات وهو يحاول الإبتسام على شفاه يبست من الخوف”.

تلزيم الفروة:

وكانت عقوبات تبدأ بالجلد و”تلزيم الفروة”، وهو نوع من الإقامة الجبرية لا يخرج فيها من يلزمونه الفروة من منزله إلا لأداء الصلوات في المسجد القريب، وقد ترقى حتى الإعدام بالخازوق في أسوأ الظروف. وتشير الرواية لحجم التعايش في مجتمع الخرطوم آنذاك بين الأقباط السودانيين والمصريين وحتى الأتراك بعد أن ارتبطوا مع بعضهم بأواصر المصاهرة، لتوحدهم الهموم والمصائر. فتطل من خلال الرواية صورة للجدة “إيفون عطا الله”، وزوجها “ميخائيل عوض”، وابنتها “إيزيس”، وخطيبها “فائز موريس”، وقريبتهما “نيفين تادرس”، التي كانت من فرط جاذبيتها تدير الرؤوس أينما حلت، لتصير حياتهم مقسمة بين السودان و مصر التي سافر إليها الباشبوزوق “عبد العزيز”، هرباً من قبضة الخليفة، تاركاً ابن اخته “قدورة” لمصيره متأرجحا بين الإقتراب من مجلس الخليفة الشائك والابتعاد عنه بشكل يثير الريبة، ليرث علاقات خاله الإجتماعية، مثلما ورث همومه وهو يحتال للنجاة من شبكة جواسيس الخليفة العنكبوتية، وهي تلتف حول عنقه في إصرار.

وفي نهاية الرواية ينتهي الأمر بـ”قدورة” وقد تحول إلى “المستر عبد القادر” مطعوناً بسكين بطيخ، وهو يلملم الدنانير الذهبية التي سقطت منه على الطريق دون أن يكترث لأحشائه التي فارقت مكانها لتتدلى أسفل بطنه “كان الباشبوزوق قبيل عودة الطبيب قد نهض بعد أن خلع الجاكيت، ولم مصارينه فيها ودلقها عبر الشق الطويل الذي أحدثه سكين البطيخ في بطنه، لف الجاكيت حول وسطه، وتمكن بعد جهد من ربط يدي الجاكيت من وراء ظهره وهو يجثو على ركبتيه، ونهض. إنحنى حين تذكر الدنانير، وأخذ يلم المزيد منها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ويضعها في جيبي بنطاله. وقف وقرر أن يمشي بدلاًمن ركوب العربة، لأنه خشي إنفلات المقود منه إذا أغمى عليه جراء النزف، أو عند ارتطام العربة بشئ كان يمشي حيناً ويجلس متلاحق الأنفاس مرات عديدة”.