زهير السراج
*
بينما رفعت الحكومة سعر جوال الدقيق الى 450 جنيها اعتبارا من يوم الجمعة (5 يناير، 2018 ) ثم الى 550 ج بعد شهر، بدلا عن (160 ج) أى حوالى ثلاثة أضعاف، لتصبح قطعة الخبز الواحدة بجنيه بدلا عن إثنتين، وتضع عبء فسادها وتبديدها للمال العام وخطل سياساتها على كاهل المواطن، فإنها تسمح فى الوقت نفسه لشركة مثل (الراجحى) السعودية بتصدير كل القمح الذى تنتجه فى ارض سودانية بولاية نهر النيل منحت لها بلا مقابل لمدة 99 عاما الى خارج السودان، بدون أن تفرض عليها تسويق جزء من المحصول فى السوق المحلى، أو رفد الخزينة العامة ببعض الدولارات مقابل التسهيلات الضخمة التى تحصل عليها، وعلى رأسها الايجار الرمزى للأرض (نصف دولار للفدان فى العام) والاعفاءات الجمركية والضريبية الكبيرة ..إلخ!!

* ولم تفرض عليها استخدام عمالة وطنية حتى فى ابسط الاشغال، فاستجلبت كل العمالة من خارج البلاد، كما أنها لا تقدم خدمات للمجتمع الذى يوجد حولها، غير انها تستخدم طريقة افضل للرى أقل تبديدا للماء من طريقة الرى الهوائى بـ(الرشاشات) التى تستخدمها (امطار) وتستنزف، كما ذكرت آنفاً، المياه الجوفية بسرعة هائلة بسبب نسبة التبخر العالية التى تصل الى حوالى 70 % ، ما يعنى إستخدام ثلاثة أضعاف كمية الماء المطلوبة لرى المحصول، وللذين لا يعرفون فإن السعودية قد اوقفت منذ عدة سنوات زراعة القمح والبرسيم لشح المياه الجوفية فى كثير من المناطق منها على سبيل المثال (منطقة تبوك) بسبب نظام الرى الهوائى، بينما تسمح حكومتنا لبعض (المستحمِرين) باستخدام نفس نظام الرى المعيب، وتصدير مياهنا الى الخارج فى شكل محاصيل واعلاف لا يدخل علينا منها دولار واحد، ثم تعاقبنا برفع الاسعار لتغطية عجزها وفشلها وخيبتها وفسادها!!

* وكما حدثتكم أمس، فإن الشركة كمكافأة منها لمن أسهموا فى منحها (نصف مليون فدان) فى سهل القولد ونهر النيل لم تستغل منها سوى (4000 فدان) فقط واهلاك مياهنا الجوفية، والاضرار بمصالح البلاد، قامت ببذل الكثير من المال للبعض وتعيين وزير اتحادى سابق مستشارا للمشروع، ووزير دولة ولائى سابق مديرا له، اعتدى بالضرب أثناء فترة عمله بالولاية على أحد المواطنين احتج على محاباته للأجانب على حساب السودانيين، فنال جزاء ذلك تعيينه مديرا للشركة، ولكنه نال علقة ساخنة من المواطن المعتدى عليه قبل أن يخرج من الوزارة!!

* إحدى الشركات التى (تستحمر) فى السودان، هى شركة (مراعى) السعودية التى مُنحت فى (عام 2008 ) 22 ألف فدان فى منطقة سهل القولد لزراعة البرسيم، ورغم أنها أفضل من حيث أن معظم عمالتها سودانية، بينما الادارة أجنبية، إلا أنها مثل سابقتيها (امطار والراجحى) تصدر كل المحصول الى الخارج (السعودية ومصر) بدون أن تستفيد البلاد بدولار واحد، كما أنها قامت بتشييد مزرعة ضخمة جدا تضم (5000 بقرة حليب)، ومعمل ضخم لانتاج الألبان ومنتجاتها فى مصر، بدون أن يروادها أى تفكير بإنشاء ولو مزرعة صغيرة جدا أو معمل للألبان فى أى مكان فى السودان، وكل هذه الشركات ليست معنية، ولم يفرض عليها أحد، أو حتى يستجديها لتقديم بعض الخدمات المجتمعية للأهالى فى المناطق التى (تستحمر) فيها، فلا طرق ولا مياه صالحة للشرب، ولا كهرباء، ولا خدمات تعليم وصحة، ولا تبرعات للأعمال الخيرية ولا أى شئ آخر، فهل هذا هو الإستثمار، أم انه استحمار وتخريب ودمار ؟!

manazzeer@yahoo.com