خالد فضل

فى البدء نترحم على روح د. عفاف الصادق حمد النيل الإعلامية البارزة وزوجة الفنان المرهف ابو عركي البخيت، مع خالص التعازي لاسرتها الكريمة، وبالحق فإن حياة السودانيين المعنوية والمادية تزداد وقائعها قتامة، ووتائر الغضب والتزمر تبلغ مداها، بل أصبحت أحوال الناس المعيشية الضرورية تنحدر من درك الى أسفل، مع تهاوى سعر صرف العملة المحلية، التى تقابلها الحكومة بمزيد من الأعباء على الشعب حتى بلغ الأمر حدود الرغيف، وماتبع ذلك من زيادات فلكية فى أسعار كل السلع الضرورية من سكر وشاي وصابون ولحوم….. الخ، ومع ذلك يصر سدنة السلطة على إطلاق وعودهم الزائفة واكاذيبهم المعتادة، ودون أن يلوح فى الأفق بصيص أمل فى حلول جذرية لمعاناة الشعب المستمرة، ماهو دور الحكومه إذن، وماجدوى وجودها اصلا اذا كانت عاجزة وفاشلة فى تنظيم وإدارة طعام شعبها، فكما هو معلوم ليس مطلوبا من الحكومة أن تزرع وتحصد وتطعم الناس فى أفواههم كما يفهم من سياق تبريرات المسؤولين عند حديثهم عما يسمى رفع الدعم عن الغذاء والدواء والوقود، فالشعب يعلم علم اليقين أن كل التبريرات التى تطلقها الحكومه إنما هى أكاذيب فى الهواء الطلق، لا تصمد أمام اى تحليل موضوعى، ومااكثر مافند الاقتصاديون مزاعم السلطة البائرة عند كل ازمه اقتصادية طاحنة كابد ويكابد ويلاتها غالبية الشعب السوداني، حتى بات من أقوى أسباب الهجرة والاغتراب أو الهروب الجماعى من الوطن فقط طلب المعيشة اليومية، لم يعد الحديث كما كان فى السابق عن تحسين الأوضاع الاقتصادية، أو بناء منزل أو اقتناء سيارة أو حتى إحضار شنطة العرس للعزابة من المهاجرين. (يعنى عرس تانى مافى)، هكذا علقت شابة فى احدى الحافلات الصغيرة للمواصلات بالخرطوم، وكان النقاش بين الركاب كالعادة يدور حول الضائقة المعيشية غير المسبوقة التى يمر بها الناس هذه الأيام وعن عجز الحكومه وفشلها الذريع فى إيجاد حلول وكان الركاب يتبارون في إيراد أسعار السلع الضرورية ومالحقها من زيادات مهوله، أظن أن تلك الفتاة كانت تجرى إحصاءات سريعة فى سرها لتكلفة زواج حتى وصلت الى هذا التساؤل المفزع، ابتسم الركاب حواليها بمرارة، وقلت لها مازحا (خلاص احسن المتزوجين يطلقوا ليتساوي كل الشعب فى حالة العزوبية كما يشاركون الآن العذاب).

إن الأزمة الراهنة ليست وليدة اليوم بل العكس المعطيات الآن أفضل مما كان عليه الحال من قبل، الحرب لم تنته صحيح فى نطاق النزاعات المسلحة العريض ولكنها لم تعد كضراوتها فى السابق، شماعة العقوبات الأمريكية قد تم رفعها، علاقات الخنوع والانقياد والتبعية للسعودية ودول الخليج وصلت حد الزج بالجنود السودانيين فى محرقة اليمن، على المستوى النظري يفترض أن الحكومه الآن تضم مجموعة كبيرة من التنظيمات السياسية يعنى أن هنالك تمثيلا لأحزاب كانت تصنف فى صفوف المعارضة وبعض الحركات السياسية المسلحة، ففى قصر البشير هناك المؤتمر الشعبي، والاتحادي الديمقراطي، ونجل الصادق المهدي، وربما آخرين، مثلما يحظى حزب الحقيقة الفدرالي بقيادة السيد شعيب ببعض الوظائف الحكومية، هذا يعنى نظرياً أن الانقاذيين قد اقتسموا فشلهم وخيباتهم التى دمروا بها البلاد على مدى أكثر من 25 سنه، ولذلك فإن التزمر الشعبي والغضب العارم يشمل التركى والمتورك على حد سواء، إذ لم يبدي أي حزب من الأحزاب المشاركة فى قمع الشعب وزيادة معاناته موقفاً يشذ عن القاعدة السائدة، اكذب ثم اكذب ثم اكذب، مع اشهار القمع والإرهاب ووضع قوات القهر وأدواته وابواقه الإعلامية على أهبة الاستعداد لردع الشعب وقمع أي حركة تطالب بتغيير الأوضاع، ومن وسائل الخداع محاولة صرف الأنظار بمسائل مختلقة مثل التعبئة ضد مصر أو الحشود العسكرية على الحدود مع إرتريا وغيرها من فبركات لاتنطلى على احد،ويتمدد السخط العام فى حالة شبه كاملة تشمل كل القطاعات من الاطفال حتى الشيوخ،لم يعد الناس يابهون للأحاديث الباردة عن الوطنية أو حتى الوعظ الدينى الممجوج الذى يتماهى مع سلطة الفساد والفشل والقمع، إذ أصبح هم المعيشة يستغرق جل اهتمامات الناس، فى هذه الأوضاع التى بلغت حد اللا يطاق تصبح كل الخيارات مفتوحة، وجميع السيناريوهات واردة انفجار عشوائي للأوضاع وعاصفة قوية من ثورة الجياع لا تلوي على شئ ولا تبقى على شئ،هذا وارد رغم ترسانة القمع والقهر والذكريات لهبة سبتمبر المجيدة 2013، أو أن يحدث انحياز من جانب بعض أبناء الشعب السوداني ممن هم على السلاح النظامي، المهم أن التغيير بات حتميا أكثر من أي وقت مضى وباي صورة وغض النظر عن الثمن لأن الناس أصبحوا فعلاً عاجزين عن سد الحد الأدنى من ضرورات وجودهم، وكما أسلفنا فإن الثقة باتت معدومة تماماً فى اى وعد حكومى، وإذا كانت الأكاذيب تطلق من قبل عن مبررات الإخفاقات فإن حبل (الكضب) قصير، قتل مئات الشهداء فى سبتمبر وقيل حينها أن تلك الإجراءات الاقتصادية كانت ضرورية لإنقاذ الاقتصاد الوطنى من الانهيار، مضت أربع سنوات وبضعة أشهر على مجزرة الخرطوم تلك، وكان السعر لصرف الدولار وقتذاك حوالي 11 جنيه، الآن سعر صرف الدولار الجمركي 18 جنيه وفي السوق الموازي على تخوم 30ج، فهل كانت هذه النتائج التى تم وعد الشعب بها يوم ذاك! كيف يتعافى الأقتصاد الوطنى والسلطة خاوية الوفاض ومفلسة فكرياً واخلاقيا وسياسيا بل وانسانيا، كيف يتعافى الاقتصاد وكل موارد البلاد منهوبه ومخصصة للصرف البذخي على الوظائف السيادية والدستورية والأجهزة الأمنية والقمعية والمليشيات المجرمة، لابد من مواجهة الحقيقة فالفشل قد بلغ مداه، ولأن الشعوب لاتموت مهما تطاول عليها ليل الأذى فإن الوعد الاصدق هو وعد شعبنا الذي سيقول كلمته قطعا.