رشا عوض

 

*كمواطنة سودانية منحازة لحقوق الإنسان وحقوق المرأة أحزنني وآلمني وأغضبني الفيديو الذي ظهر فيه مدير جامعة الأحفاد للبنات البروف قاسم بدري  وهو يضرب تلميذاته ، هذا الفيديو فضيحة تضع الأحفاد كمؤسسة في مأزق كبير جدا وإذا لم تتخذ هذه الجامعة إجراءات تصحيحية في طريقة التعامل مع الطالبات وإذا لم يعتذر البروف للرأي العام عن مسلكه فهذا بلا شك سوف يخصم ذلك كثيرا من أسهم الأحفاد ومكانتها خصوصا في الأوساط المستنيرة والحقوقية .

 

* استغربت كثيرا لمن انخرطوا في التبرير وراحوا يرددون في مآثر البروف قاسم بدري وأعماله الخيرية ومبادراته ودوره الوطني كنوع من الدفاع المبطن عن الخطأ الذي ارتكبه! في حين أن الأمانة والموضوعية تقتضي عكس ذلك! أي إدانة الخطأ دون لجلجة لأنه صدر من شخص صاحب مكانة كبيرة وفي موقع مسؤولية ويدير جامعة للبنات تضم مركزا متخصصا في دراسات الجندر وترفع شعارات مناصرة المرأة ولها إسهامات مقدرة في ذلك، فأخطاء الكبار دائما هي الأجدر بالنقد وهي الأخطر أثرا على المجتمع.

 

* يجب ان نسعى وكجزء من تكريس العقلانية في مجتمعنا إلى هزيمة أي نزعة لتقديس الأشخاص مهما كانت أفضالهم وفضائلهم ومهما عظمت إنجازاتهم، بروف قاسم له مسيرة أكاديمية وعملية ووطنية واجتماعية حافلة بكثير من الإيجابيات والإنجازات والأعمال الإنسانية الخيرة التي جلبت له محبة واحترام كثيرين وكثيرات، ولكن كل ذلك لا يمنحه حصانة ضد النقد ومساءلة الرأي العام عندما ينتهك حقوق المرأة أو يرتكب أي خطأ في الحياة العامة.

 

* قرأت عددا من تعليقات طالبات الأحفاد على الفيديو وكلها كانت منغمسة في التبرير والدفاع الأعمى عن الأسلوب الأبوي في تعامل البروف مع تلميذاته! واسترسل البعض في حديث طفولي عن ان الأحفاد أسرتنا ولا دخل لأحد بين الأب وبناته وان بابا قاسم يحبنا ويخاف علينا ونحن لا نغضب منه عندما ينفعل وهو يضربنا لمصلحتنا!! هذا حديث مضحك وموغل في الذاتية، وأخطر ما فيه افتراض أن الأحفاد يجب ان تكون مستثناة من تطبيق المعايير الموضوعية لتقييم اي جامعة، وأن (بابا قاسم) يجب ان يكون مستثنى من معايير تقييم الشخصيات العاملة في المجال العام، أي معايير حقوق الإنسان!

هذا الاحتفاء بالأبوية محزن جدا، لأن الأبوية  أحد مظاهر التخلف في المجتمع ، والجامعة كمؤسسة ذات دور تنويري يجب أن يكون من ضمن ما تعلمه لطالباتها احترام وممارسة المؤسسية، وتنمية الحس الحقوقي والدمقراطي، وفي هذا الإطار لا يوجد شيء اسمه(بابا قاسم)! بل هو بروف قاسم مدير الجامعة وعلاقته بتلميذاته محكومة بقوانين ولوائح الجامعة التي يجب أن تكون مشبعة بروح حقوق المرأة كما هي معرفة في المواثيق الدولية، لا بروح الوصاية الأبوية ذات السلطة المطلقة التي تشمل الضرب بالكف والشلوت! والشتم والسب! ثم تكتمل فصول المأساة بترحيب بعض اللائي يجسدن “سيكولوجية الإنسان المقهور” بهذا الأسلوب في التعامل باعتباره دليلا على الحب!

صحيح من الحب ما قتل!

والمقتول هنا حقيقة هو الشخصية المستقلة ذات الحس النقدي لطالبات الأحفاد! فمثل هذه الشخصية يستحيل أن تنمو في ظل سلطة أبوية تحرم الطالبات من مجرد  الحق في منبر نقابي(اتحاد طالبات) ليكون هو المؤسسة التي تنوب عنهن في حل مشاكلهن المختلفة وتنمية مهاراتهن في العمل على تطوير البيئة الجامعية وحماية أنفسهن من كل أشكال المعاملة غير اللائقة من قبل الإدارة.

*أثناء مناقشة الفيديو الأخير اتضح أن طالبات الأحفاد ومنذ زمن معتادات على هذا الأسلوب في التعامل أي أسلوب الضرب والزجر والشتائم، وهناك متصالحات مع ذلك ولكن هناك طالبات رافضات لهذا الأسلوب، والسؤال هنا لماذا لم يرتفع الصوت الرافض؟ كيف تفشل طالبات جامعة تنام وتصحو على ورش الجندر واتفاقية سيداو واسبوع المرأة في انتزاع حق المعاملة الكريمة  اللائقة بأعمارهن كما هو حال كل الجامعات السودانية؟ هل سبب الصمت هو الخوف؟

 

*أصدق محك لاختبار المبدئية في قضايا حقوق الإنسان وحقوق المرأة ليس ما نفعله إزاء انتهاكات الحكومة ومن نختلف معهم سياسيا، بل ما نفعله إزاء انتهاكات من هم معنا في ذات الخندق السياسي أو تربطنا بهم علاقات صداقة أو مصلحة أو الأشخاص الذين نحبهم، فالانتصار للمبدأ في هذه الحالة وقول ما يجب أن يقال بلا مجاملة أو مخاتلة، يتطلب مقدرة على السباحة عكس تيار العاطفة! وهذا في الغالب لا يحتمله كثيرون فيقعون في فخ التبرير!

ما يحتاجه مجتمعنا والذي تعاني فيه حقوق الإنسان والديمقراطية وكل قيم الحداثة من غربة موحشة، هو الصلابة في الوقوف ضد إهدار هذه القيم العزيزة ابتداء بذوي القربى! فهذا هو محك المصداقية والوفاء لها!