خالد فضل

شاهدت قبل فترة مقطع فيديو لأحد من يطلق عليهم صفة شيخ من جماعات الإسلام السياسي، وكان المقطع مكرسا لتثبيط الهمم ومنع الناس من حقهم فى التعبير السلمى عن طريق التظاهر والحشد ضد السياسات الحكومية الرعناء التى قصمت ماتبقى من ظهر غالبية الشعب السودانى، كانت فحوى رسالته أن الخروج للمطالبة بالحقوق الطبيعية للمواطنين يعتبر امرا مخالفا للشرع الاسلامى، وقد استشهد على ذلك بحديث نسبه الى النبي الكريم (ص) خلاصته أن المسلمين سيتولى حكمهم فى زمن من الازمان شياطين فى هيئة بشر يسومون الناس العذاب، فلما سأله بعض الصحابة عن جواز الخروج عليهم أشار اليهم النبى (ص) بعدم جواز الخروج على هؤلاء الحكام الشياطين.

علي العموم لايمكن ان يقتنع عاقل ٱوتي حظاً من الاستقامة الأخلاقية والتدين العقلانى والزاد الفكرى أن يصدق فى نسبة هذا القول الى النبى الكريم (ص)،ذلك أن محمداً يعد من أهم الشخصيات التى غيرت فى مسار التاريخ البشري بحسب إفادات عديدة من مفكرين وكتاب وباحثين من غير المسلمين طبعاً، فهل يستقيم عقلا أن من حارب الظلم والظالمين ووقف ضد الحكام الشياطين أن يأمر أتباعه بالرضوخ لهؤلاء الطغاة، إن فحص مدلول هذا القول يقدح صراحة فى كل الإرث الاسلامى، فلماذا إذن كانت الغزوات، ولماذا كان نهوض الجيوش لردع الظالمين، أو لم يكن جديرا بمثل هذا المنطق المعوج أن يستكين المسلمون للحكام الشياطين الذين كانوا يسودون بلادهم، أم أن هناك شيطان يتلبس هيئة شخص من المسلمين وشيطان آخر مخصص للكافرين، إيه….هذا يناير الشهر الذى أعدم فيه الاستاذ محمود محمد طه، لأنه كان يدعو الي النفاذ الى جوهر الدين وسط ظلمه حالكة يغذيها فكر ساذج وهوس طافح وركام من التكلس يغلف حياة غالبية المسلمين مع الأسف، وبالتالى تكاد تكون حياتهم اقرب الى حياة البهائم منها الى البشر، وفى السودان على وجه الخصوص حيث يسود منذ ثلاثة عقود من الزمان نظام الهوس الدينى بكرفتات عصرية، وفى هذا السياق فقد قرأت خبرا عن أحد المسؤولين الحكوميين لعله وزير أو شبه وزير فى حكومة البشير وهو يرد غلاء المعيشه الطاحن والانفلات الجنوني فى الأسعار الى ماسماه (عدم اليقين) لدى المواطنين الذين أصبحوا يقبلون على شراء الحاجيات بشراهه خشية أن ترتفع اسعارها، وهذا لعمرى قول مردود كذلك،إذ أن عدم اليقين هذا ناجم فى الاصل من السياسات والممارسات والتجارب اليومية للمواطنين تحت حكم الإنقاذ، أذكر أن صديقا كان يلاحظ على أيام الشعارات البراقه تلك والهتافات التي تصم الآذان انه كلما تم التركيز على شعار حدث فى أرض الواقع عكسه فمثلا عندما كانت أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية تبث فى الهتافات الداويه عن الإنتاج الوفير من القمح والاكتفاء الذاتى منه وتصدير الفائض للجوعي في (مصر) كانت أسعار الخبز ترتفع في السودان ووزنه ينقص ونوعه يسوء، وعند تدشين اول مواني تصدير النفط على ساحل البحر الأحمر اعقبه فى صبيحة اليوم التالى مباشرة زيادات كبيرة فى أسعار الوقود وتعريفة المواصلات، فلذلك ساد نوع من عدم اليقين، فما من خدمة مرجوة ولا فائدة منتظرة من أى سياسة أو حتى إنتاج مما يلوكه الحكام الذين بمنطق حديث ذاك الشيخ شياطين فى هيئة بشر، ومع ذلك ينبغى على المسلم الجيد الإسلام (وبالطبع لا يكون كذلك إلا إذا انضوى تحت راية جماعة من الجماعات إياها).

إن الفشل الداوى والفساد فى كل شئ من حليب الأطفال الى شهادات الدكتورة ومن قطع الاراضي الى مبيعات الأقطان ومن صفقات الذهب الي عقود البترول ومن مشروع الجزيرة الى خط هيثرو طوافا بالحج والعمرة وركام جامعه الرباط وسلعة الرقم الوطنى وجوازات سفر السوريين ووابورات الحرقة نور الدين وكل ممارسات عهد التمكين للمتلبسين بلبوس الدين قد ابدلت الشك باليقين لدى عامة المواطنين أننا نعيش تحت حكم الأمراء الشياطين، ولما كان تمام الانتماء الروحى للعقيدة الإسلامية يفترض فى المسلم مقاومة الباطل فلا يختلف اثنان أن المطالبة بالتغيير ووضع حد لمساخر ومهازل حكم الفاسدين قد أصبح بالحق ليس واجبا فحسب بل فرض عين، لم يعد الأمر ترفا سياسياً كما يمكن تسمية من يطالب بحقه فى التنظيم أو التعبير مثلا أو حقه فى السفر بدون قيود أو الحق فى المساواة بين النوعين أو الحق فى الرفاهية……. الخ،الأمر الآن سادتي أصبح فى لقمة الخبز وجقمة الشاى ومسحة الزيت والصابون والكبريت، من من المواطنين السودانيين لايحتاج الى هذه الأشياء البسيطة طفلاً كان أو شيخاً،صحيحاً كان سقيما، الآن نحن فى منتصف شهر يناير وقد نفدت كل المرتبات منذ الاسبوع الاول وتمت مباصرة الاسبوع الثانى، وحتما ستعجز كل الحيل فى الاسبوع الثالث والرابع، ولا أمل يلوح فقد تبددت حجوة سيرين الروسية، وغار بئر النفط الموعود، وبلغ سعر شوال العيش 800ج فى القضارف والجزيرة وسنار، فمن أين يجد الشعب اليقين اذا كانت الحكومة تزيد من سعر سلعة وجودية مثل الرغيف بنسبة 100% في غمضة عين ودون تدريج، مالذي يمنع بائع السمك أو جالب التسالى أو زارع البطيخ في زيادة سعر سلعته بذات القدر أو ذاك، وإذا كان سعر الدولار الجمركى يرتفع الى ثلاثة أضعافه بين عشية وضحاها فهل يعقل أن يجازف أحد المستوردين بتخليص بضاعته بهذا الفرق المهول، هذه هى أسباب عدم اليقين فشل فى السياسات وفساد فى الممارسات والنتيجة انهيار تام لكل مقومات البلاد المادية والمعنوية، فمن أين يأتي اليقين!.

لقد راعنى بالفعل المشهد المحزن للبروف قاسم بدري وهو يصفع إحدى طالباته فى تجمهر ما لطالبات من الأحفاد، ولعلى أتمنى أن يصدر أو أن يكون قد صدر من تلك المؤسسة مايؤكد أن هنالك تلاعبا أو تركيب مشاهد أو أي نوع من أنواع الحيل السينمائية فى ذلك المقطع،إذ أننى غير مصدق حتى الآن أن تكون تلك المشاهد حقيقية، ولا تعليق أكثر من هذا.