التغيير: المدن

شغلت قضية وصول القاضي عدنان عبدالعزيز “أبو يوسف” التابع لـ”جيش الإسلام” إلى السودان، الشارع السوري، خاصة أنه خرج من الغوطة الشرقية المحاصرة، التي مات على أسوارها عشرات المرضى في انتظار دورهم للوصول إلى المشافي في العاصمة دمشق.

خرج القاضي عبد العزيز من مدينة دوما، التي تعدّ مركز ثقل “جيش الإسلام” عبر مخيم الوافدين إلى العاصمة دمشق، ومنها توجه إلى السودان والتقط صوراً فيها في خطوة لتأكيد وصوله، وقطع الشائعات التي قالت أنه عاد إلى “حضن الوطن”، بحسب تعبير مصدر محلي لـ”المدن”.

ونفى المصدر وجود أي طريق للفصائل العسكرية المحاصرة في الغوطة الشرقية أو منفذ سرّي خارج الغوطة يمكن للقيادات عبوره إلا عبر مخيم الوافدين، وهو المعبر الوحيد للغوطة الشرقية ويسيطر عليه النظام من الضفة المقابلة، بعدما خسرت الفصائل أنفاقها في القابون وبرزة وجوبر، مشيراً أن كل سيناريوهات الخروج كانت بتنسيق مباشر مع النظام وروسيا.

ويشغل القاضي عبدالعزيز، منصباً في المجلس القضائي التابع لـ”جيش الإسلام” في مدينة دوما، وهو محقق في “سجن التوبة”، أشهر سجون “جيش الإسلام”، كما أنه كان مسؤول التفاوض بين “جيش الإسلام” والنظام وحليفه الروسي في إحدى الفترات. وتزامن خروج عبدالعزيز مع ترتيبات مؤتمر “سوتشي” المزمع انعقاده نهاية كانون الثاني/يناير. وبحسب مصادر معارضة فإنه سيحضر المؤتمر. ولم يعلق “جيش الإسلام” حول ذلك الأمر.

وعقب وصوله إلى السودان نشر أحد زملاء عبدالعزيز في “المجلس القضائي” صورتين له في صفحته في “فايسبوك”، معلقاً: “أحمد الله على سلامتكم أخي الحبيب القاضي أبو يوسف وأسأل الله لكم التوفيق في أعمالكم ومهامكم ونشاطكم الثوري”. وما زال “جيش الإسلام” يتكتم على طريقة خروج القاضي إلى السودان وأهدافها “الثورية”.

حملت قضية عبدالعزيز زوبعة من التساؤلات الاستنكارية. مصدر محلي قال لـ”المدن”: “كيف يمكن لقاضٍ شرعي في فصيل معارض أن يخرج إلى أراضي النظام عبر نقطة عسكرية ويستخدم مطاره الدولي للخروج من سوريا، بينما مئات الحالات المرضية داخل الغوطة تنتظر دورها في الإخلاء، ومات بعضها على أسوار الحصار؟”.

واللافت أن خروج القاضي عبدالعزيز جاء في الوقت الذي تشهد “إدارة المركبات”، إحدى أهم النقاط العسكرية للنظام في محيط الغوطة الشرقية معارك عنيفة بين النظام وفصائل المعارضة العسكرية باستثناء “جيش الإسلام”، فيما يرابط “جيش الإسلام” على الجبهات شرقي الغوطة الشرقية، الهادئة نسبياً إلا من بعض العمليات العسكرية.

اغتيال زهران علوش، مؤسس “جيش الإسلام” وقائده السابق، كان نقطة فارقة في تاريخ “الجيش”. وما كان محرّماً في زمن علوش، أصبح متاحاً في زمن ابن عمه محمد علوش، فانفتح المكتب السياسي لـ”جيش الإسلام” على الجانب الروسي، وعقد لقاءات واتفاقات معه، ومنها اتفاق “خفض التصعيد” في الغوطة الشرقية الموقع في تموز/ يوليو 2017، واتفاق مماثل في جنوب دمشق وقعه علوش في تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته بالنيابة عن “جيش الإسلام” في جنوب دمشق، وعن فصيل آخر.

وخلال فترة اتفاقيات “خفض التصعيد” دخل ضباط روس إلى الغوطة الشرقية “سرّاً” والتقوا أكثر من مرّة مع قيادات في “جيش الإسلام”، وتمخض عن ذلك بدء دخول مساعدات إنسانية إلى الغوطة، بعد انقطاع، وكانت أولى القوافل الروسية قد أفرغت حمولتها على بوابة مخيم الوافدين ممهورة بعبارة “روسيا معكم.. سوريا معكم”.

ممثلون عن مدينة دوما، منهم القاضي عبدالعزيز، كانوا قد التقوا مع “لجنة التواصل” التابعة للنظام في تشرين الأول/أكتوبر 2016، المكونة من شخصيات من مدينة دوما مقيمة في دمشق، وأجروا لقاءات سرية مع المعارضة في دوما الواقعة تحت سيطرة “جيش الإسلام”، لبحث إمكانية توقيع وقف إطلاق النار. وكانت تلك الاجتماعات هي باكورة سياسات “جيش الإسلام” “المنفتحة” مع النظام وروسيا.

وبدأت آثار انفتاح “جيش الإسلام” على الروس تتكشف شيئاً فشيئاً عبر حالات مشابهة، إذ إن خروج القاضي عبدالعزيز ليس الخروج الأول من الغوطة الشرقية في ذروة الحصار، إذ سبقه القيادي أبوهاشم الوزير قبل شهور إلى دولة عربية، وزار السودان أيضاً، بحسب مصدر محلي مطلع.

وقال المصدر إن شخصيات قيادية في “جيش الإسلام” تربطهم علاقات استثمارية؛ تجارية واستملاك أراضٍ، مع السودان. ويستفيد “الجيش” من وجود تجّار سوريين في الخرطوم يعلنون ولاءهم له، ويسهلون له عملية الدخول والاستثمار. وبحسب المصدر: “لا أعلم إذا كان هناك تنسيق مباشر بين جيش الإسلام وحكومة الخرطوم، أو أن الأمر يتم بأيادٍ مدنية محسوبة على الجيش”.

وبحسب المصدر فإن السودان كانت ولا تزال وجهة شخصيات عسكرية سورية، لا من “جيش الإسلام” فحسب، بل إن عدداً من قيادات الجيش الحر تربطهم علاقة استثمارية مع السودان، لأنها الدولة العربية الوحيدة التي تسقبل السوريين من دون قيود أمنية، عدا عن سهولة الاستثمار فيها.