التغيير: الخرطوم

حدثان جماهيريان كبيران شهدتهما العاصمة الخرطوم خلال الأيام القليلة الماضية، وإن كان لهما جمهورين مختلفين. الأول هو فعالية إحياء الذكرى الخامسة لرحيل الفنان الراحل “محمود عبد العزيز”، في السابع عشر من ينايرالجاري بإستاد الخرطوم، والثاني هو افتتاح ملعب “الجوهرة الزرقاء” الرياضي على يد البشير في الثامن عشر منه. وكان الناس ينظرون لهما بشئ من الترقب والأمل في إذكاء نار الثورة، عقب اندلاع التظاهرات في السادس عشر من يناير احتجاجاً على الفقر والغلاء.

تزامنت ذكرى رحيل الفنان “محمود عبد العزيز” هذا العام مع احتجاجات أُمدرمان الرافضة للغلاء، والتي أعلن عنها “حزب الأمة” ودعمتها بقية أحزاب المعارضة حيث توقع الكثيرون أن تُلقى الأوضاع التي تمر بها البلاد بظلالها على التأبين، وأن ينفعل “الحواتة”، جمهور محمود، بما يحدث مع أهلهم في الشارع على الضفة الأخرى من النيل، لكن جماهير الراحل رددوا أغنياته مع فرقة موسيقية تم إحضارها خصيصاً لهذا الغرض، ورفعوا اليدين متقاطعتين والتي يرمزون بها لشعار “أبقوا الصمود” دون أن يسمع أحد عنهم الكثير، وذلك على الرغم من بعض الهتافات التي تعالت عقب انتهاء التأبين بحسب شهود عيان.

لكن الكثيرون إنتظروا أن تتعالى الهتافات الرافضة للغلاء والمنددة بالنظام من داخل حفل تأبين الفنان الراحل محمود عبد العزيز وأن تحقن هتافاتهم دماء جديدة في شريان ثورة السودان التي تتخلق لتوها وتعطيها دفعة إلى الأمام في طريق المطالبة بالحقوق. حتى القوات الأمنية احتشدت منذ وقت مبكر وأُدخل منسوبيها بأعداد كبيرة إلى حفل التأبين، واتخذت من الإحتياطات ما يمكنها من أن تنجز المهمة الموكلة إليها وهي أن ينتهي حفل التأبين “على سلام”، بلا مطالبة بالخبز والدواء والحياة الكريمة، ولا هُتاف رافض للغلاء والوضع الإقتصادي، بل ووسط دعوات من بعض “الحواتة” أنفسهم بعدم تسييس التأبين وفاءاً للراحل المقيم. ليمر الحدث دون أن يحدث فيه ما يشفي صدور المتعطشين للثورة، وما يشقي القوات الأمنية المتحفزة لدرجة التوتر، والتي تواجدت بأعدادها الكبيرة منذ وقت مبكر داخل وخارج الملعب.

وعشية افتتاح الجوهرة الزرقاء “استاد الهلال بعد تأهيله”، استبشر الناس خيراً بوجود الآلاف من الجماهير على مقربة من الرئيس البشير، والذي حضر لافتتاح المنشأة، وأملوا أن يسمعه جمهور هلال الملايين احتجاجاً على على الغلاء بعد أن أوصلتهم سياسة حكومته لحدود الفقر المدقع والحاجة المذلة ،فضلاً عن انتهاكات الحقوق والإعتقالات وضرب المتظاهرين السلميين، وما إليه من مرارات كان عنوانها ثورة الشعب على النظام في الأيام التي سبقت الإفتتاح.

لكن قوات أمنية بحسب شهود عيان جاءت بأعداد كبيرة منذ وقت مبكر وهم يرتدون التي شيرت المطبوع عليه صورة السيد أشرف الكاردينال رئيس نادي الهلال وحجزوا حتى المقاعد المخصصة للألتراس الهلالي “رابطة مشجعي نادي الهلال” منذ الرابعة عصراً، حيث شغلوا أغلب مقاعد لإستاد الأمامية ليبدأوا التهليل والتكبير وإطلاق الهتافات المؤيدة للبشير من لحظة دخوله وحتى لحظة خروجه ليخرج معظمهم خلفه ويتركون الإستاد شبه خالي! وقال الشهود أن هذه الأعداد الكبيرة من القوات الأمنية لم تجد من يقلها بعد انتهاء الإفتتاح وأنهم تفرقوا ليستغلوا المواصلات العامة بعد أن انتظروا وسائل نقلهم الخاصة بلا طائل.

وانتشرت على وسائط التواصل الإجتماعي انتقادات حادة للحواتة خلال اليومين السابقين باعتبار أنهم ما زالوا “خارج حسابات الثورة”، على الرغم من كل مواقفهم المشرفة في الماضي، ووقفاتهم المشهودة في وجه الظلم بلا تردد.  أما عن افتتاح الجوهرة الزرقاء فقد أرادت الحكومة إظهار الرئيس بمظهر من يجد التأيييد الشعبي من مواطنيه بأي ثمن، فاتهم البعض جمهور الهلال بالتخاذل عن المضي في ركب الثورة، وعدم إنجاز ما كان متوقعاً منهم، دون اعتبار لظروف وملابسات الحدث، ودون اعتبار أن الثورة ما زالت في طور التشكل، وأن أطياف المعارضة والجماهير المقاومة لصلف النظام في بسالة تحتاج إلى أن تدعم بعضها البعض في ما تحققه من إنجازات، وأن تعذر بعضها البعض في ما لم يتحقق بعد. 

ومن كل ما سبق يبدو واضحاً أن الكرة في ملعب المعارضة لقيادة الشارع الذي يغلي بالفعل، وبناء أوسع جبهة مقاومة تدعم التظاهرات دون استثناء ودون إتهام أحد بالتقاعس، وأن تعمل مع مثل هذه المؤسسات الشعبية الوطنية والكبيرة والمنظمة من إجل إحداث التغيير، فجمهور الهلال وجمهور محمود هم جماهير الشعب السوداني الذي يعاني ويلات التجويع، وعلى المعارضة تنكب الطريق الذي يؤدي إليهم.