نهلة طاهر

 

الكثيرون ممن وصلتهم مشاهد التعذيب التي قيل إنها لشباب من دارفور، أبدوا صدمتهم لفظاعة المشاهد، وهي بلا شك تستحق أشد عبارات الإدانة. لكن الغريب أن هناك من استهجن هذا التعاطف العفوي وكل الدعوات التي ارتفعت منادية بضرورة مغادرة خانة الشجب، والانتقال إلى دائرة الفعل والمساعي الجادة لتحرير الضحايا من قبضة خاطفيهم. وهؤلاء المستهجنون يرون أن الأولوية في الوقت الراهن هي لتحرير البلاد من قبضة نظام البشير، وأن الالتفات الآن إلى تحرير مجموعة من الشباب، قد يصرف الأنظار عن الهدف الأوحد والأسمى!

 

لا بد من القول بوضوح، إن كل محاولة للزعم بأن الفيديو قديم، وإن القصد من نشره الآن هو حرف الناس عن مسار الاحتجاجات وعن الحراك الذي يمور في الداخل لمقاومة النظام، هي محاولة مرفوضة تماماً. فيديو ضرب البروفيسور قاسم بدري رئيس جامعة الأحفاد للطالبات داخل حرم الجامعة، ليس ببعيد عن الأذهان، وقد سمعنا المزاعم السابقة نفسها الاسبوع الماضي. لكن ثبت بعدها وباعتراف البروف قاسم بدري نفسه أن الفيديو حديث. واليوم ثبت أيضاً أن فيديو التعذيب جديد، وهناك ناشطون موثوقون أكدوا وجود اتصالات هاتفية مع الخاطفين في ليبيا بشأن دفع الفدية. فهل هذا التطابق في ردود الأفعال إزاء هاتين الواقعتين من قبيل الصدفة؟ هل من المعقول أن نُصغي للدعوات بضرورة غض النظر في الوقت الراهن عن الانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون السودانيون في الداخل والخارج، وعن الأعداد المتزايدة من المعتقلين داخل السودان والمخطوفين خارجه، بحجة أن التركيز ينبغي أن ينصب على حركة الاحتجاجات حصراً؟

 

المقاومة ليست قطاراً يسير في اتجاه واحد

 

مقاومة النظام والحراك لاسقاطه ليس قطاراً يسير في اتجاه واحد، فهذا الحراك هو في الحقيقة مجموعة طرق تسير بشكل متوازٍ  في الاتجاه نفسه. بالعودة إلى الرهائن السودانيين في ليبيا، هناك دعوات ومحاولات حثيثة لجمع مساهمات وتبرعات لدفع الفدية، وهي نابعة بلا شك من تضامن انساني نبيل. لكن الواجب الانتباه كذلك إلى أن دفع هذه المبالغ قد يشجع ضعاف النفوس على جرائم الاختطاف والتعذيب،

فهناك مجموعات اجرامية منظمة في ليبيا تستعبد الأفارقة ومن بينهم سودانيون، في المزارع وغيرها من الأعمال (أي سخرة بالمعنى الحرفي). وفي حال نجاح الحملات الرامية لجمع المبالغ التي طلبها الخاطفون كفدية لكل رهينة، وهي مبالغ ليست بسيطة، فالمتوقع أن لعاب ضعفاء النفوس سيسيل أمام هذا الأسلوب لتحقيق الكسب المادي، لأنها ستخلُص إلى أن هذه الطريقة مربحة ومجدية أكثر من إجبار الضحايا قسراً على العمل في المزارع مثلاً. وهكذا وبدون قصد سيكون لدفع الفدية مردود عكسي، فهو سيساهم في وقوع جرائم أفدح وسقوط عدد أكبر من الضحايا في براثن هذه العصابات.

هناك بالتأكيد وسائل أخرى لمد يد العون بعيداً عن الرضوخ للابتزاز. اليوم الحاجة أمس ما تكون إلى أن يُدلي المتخصصون بدلوهم، خصوصاً المحامون وخبراء القانون الدولي والحقوقيون وغيرهم. وفي هذا الإطار تأتي أيضاً خيارات عديدة، كالحملات الإعلامية وجمع التوقيعات وإيصال القضية إلى المنظمات الحقوقية والدولية، وأيضاً محاولة الضغظ على السفارة السودانية في ليبيا وعلى الحكومة السودانية، والدفع باتجاه اتخاذها خطوات فعلية في هذه القضية.

 

ضرورة تفعيل الإعلام والإعلام البديل

 

لا يمكن إغفال الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في مثل هذه القضية، ولعل المثال الأبرز في هذا السياق هو تقريرالصحفية السودانية في CNN- نعمة الباقر، حول المزادات المفتوحة في ليبيا لبيع “العبيد” -ويا للعار!-. هذا التقرير لم يتعد طوله سبع دقائق، لكنه هز العالم وأجبر زعماءه ورؤساء الدول والحكومات ومنظمات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية وحتى البابا، على إيضاح موقفهم حيال الانتهاكات الفظيعة التي تحدث في ليبيا. وبعد أيام معدودة من بث معظم القنوات العالمية التقرير بلغات مختلفة نقلاً عن قناة سي إن إن، سمعنا العديد من المسؤولين الأوروبيين يُعلنون عن ضرورة مراجعة الحلول التي لجأ إليها الاتحاد الأوروبي لصد موجات اللاجئين عن أراضيه.

 

وأخيراً يأتي دور الأعلام البديل ووسائل التواصل الاجتماعي، في تحريك القضية وجذب الاهتمام إليها. من كان يتصور في الماضي أن وسماً على تويتر مثلاً، قادر على لي عنق العالم بأكمله بوسائل إعلامه المرئية والمسموعة والمقروءة، وإجباره على الالتفات إلى قضية كان العالم يجهلها حيناً، أو يتجاهلها أحيانا أخرىً؟ الأمثلة لا تُحصى وهي تتكرر بشكل يومي تقريباً. الفضاء لم يكن يوما أرحب مما هو عليه في الوقت الحاضر، وهو يتسع لخوض المعارك العادلة، من أجل جميع القضايا العادلة. هذه القضايا تسير دائماً بالتوازي جنباً إلى جنب، وتصب في المصب نفسه، دون أن يأتي بعضها بالضرورة على حساب البعض الآخر