خالد فضل

على مدى الإسبوعين المنصرمين , ظللتُ أعافر في حالة إلتهابية دهمتني على حين غرة وبدون أدنى سابق إنذار , عدا إرهاصات فتور , عزيته كعادتنا في (طبطبة) الألم إلى آثار سفرية طويلة وعودة في غضون 28ساعة  للأهل في جنوب الجزيرة , ثمّ كان ما كان من أمر تلك الغزوة البربرية , التي لم تبق سنتمترا واحدا من الجسد بمنأى عن نيران الحمى والبرد والرجفة , وهن الجسد يا صاحبي , وأحتلّت الأوجاع معظم أرجائه , حتى تلك الغائرة , أو تلك المخابئ التي ظلّت محصّنة بنيران المجوس , وهن العظم يا صديق , وعذابات الروح , تنوح ريحها الضروس , وتشعل وقدها الآثم , وتهشّ على ما تبقى من أيام , نخشى أن تذروها ريح صفراء نتنة .

مواجع ليست بفعل الإلتهابات التي ضربت الجسد عضوا فعضوا حتى شبع الألم حد التخمة وتجشأ حمى وبرد ورجفة ,  لكنها سيدي ومولاي , مواجع من تلك التي لا فكاك من مواجهتها إلى آخر المشوار , هناك في أقصى الروح دفنوا رابعة العدوية , كما في حداء الجميل مظفّر , وهنا في السودان بعد ثلاثينية ( الكيزان والأحزان ) دفنوا في قارعة الطريق متاريس الوجع , انبتوا على كل تلّة ثلّة من القتلة , أوقدوا نار الحريق التي لم تنطفئ جذوتها بعد , هنا على مقربة من ثلاثينية السخرية والسخف , ما تزال تسمع صوت واهن كاذب يردد (الله أكبر ) , الله أكبر يا لصوص !.

   نعم , ما يزال في السودان إلى اليوم من يماري ويداهن , ويرفع عقيرته وإن كان على استحياء ليهتف خلف صاحب الصوت الأجش , وهو يعد الجماهير بمزيد من الضيق , والعذاب , كأنّه متعهذ أخذ كامل حقوقه من أجل القضاء على شئ اسمه السودان , الله أكبر يا أوغاد , وأّمّ  تحمل على ساعديها النحيلين أشلاء طفلة , تتحشرج روحها بين أضلعها الناتئة , تطلب حقّ العلاج , ولا علاج , وتلك التي تنطوي على 5 و6 من القصّر الذين لم يطعموا منذ أيام , وذاك , وهذا , وأنا , وأنت , وجمهرة غالبة , نساء ورجال وأطفال وشيوخ , في القرى والنجوع والريف , وفي قلب الخرطوم وحوافها التعيسة , كلنا في موكب الأحزان , نتعاقب في اليوم مئات المرّات , لأنّ على رأس فوهة زناد البندقية , جنجويد !  ولأنّ الكلام غير المفيد كثير , فيمكن أن تسمع عادي عن , تعافي الإقتصاد تحت حكم (الكيزان ) , كيف , لا يعدم كبيرهم عن ترديد عباراته الشجيّة ( رفع الدعم ) , ما الذي تدعمه يا شيخنا وتسبب في  كل هذا الإنهيار الإقتصادي , وتهاوي سعر صرف الجنيه مقابل أي عملة أخرى , وغلاء المعيشة الكاسح , وانفلات الأسواق , أتدعم , دوري (البيسبول ) , أم ناشيئ جمعية طب الطيران , أم تراك تدعم في رحلات سفاري لطلبة الصف السابع بمدرسة أم صفقا عراض ؟ أتدعم في  بوفيهات مطاعم عمال السكة حديد أم وجبة عمال محالج الجزيرة أم قهوة (كلّات الموانئ) ؟ حدّثنا في زمن الحديث الكذوب عن دعمك الذي أطاح ببنيان اقتصادك ؟ حدّثنا يا صاحب الأحاديث الشجيّة  عن نظراتك الإقتصادية الثاقبة وعن وعدك القاطع بالإنتقال من مصاف الإنهيار إلى آفاق الرفاه , قل ولا تعجز , فخلفك بندقية جنجويدي مصوبة إلى الجباه الشم , قل وصوت الهتيفة الواهن يطربك (الله أكبر )! الله أكبر يا لصوص ؟  هل سبب الانهيار (شوية كراتين عملة ) بحوزة الفادنية , استرد الاقتصاد عافيته بعد حملات الانكشارية تلك في نواحي شرق النيل ؟.

هل سبب الوجع همّ تجار البصل في سوق أم درمان , أو حتى مورديّ حفاظات الأطفال (البمابرز ) , هل سبب الغلاء والبلاء والإلتهابات الحادة التي اوهنت الجسد الفردي والجماعي وأودت بجسد الوطن كلّه إلى لظى ,  هم شلة تجار تجزئة في سوق النهود أو الدمازين أو طرف أم دفسو في غرب الحارات ؟ ماذا يعني تكرار الحديث الذي يناقض بعضه بعضا ولا يصمد أمام أي تحليل , كيف ترفع الدولة الدعم المزعوم عن أساسيات حياة كل الناس , الخبز والدواء والوقود , ثم تقول بذات اللسان اللزج , سنخفف أعباء المعيشة بقيام دكاكين البيع المخفض في الخرطوم , من الطرائف التي سمعتها ولم أشاهدها أن حاكم مدني قد أوقد نار التكايا في الشوارع ليمد سكان حاضرته ب (الكسرة ) يا لها من حلول عبقرية فعلا , ويا حليل زمن (النعيم ود حمد ) الآن يمكن أن يغني قيقم (ديوان ايلا) ولا بنسد ! فهل هذه هي حلول آل عبقر من بقايا كيزان السودان لما أحدثوه كابر عن كابر في  جسد الوطن حتى أوصلوه إلى مرحلة (الذلّة ) بامتياز , لقد أفسدوا وطنا والله مكانه فوق فوق , دمروا حياة شعب كان مقامه بين الشعوب سام , ولا يتورعون رغم كل هذا عن سيل الأكاذيب البذيئة , والتهديدات الدنيئة , فما الذي تبقى لهم ولم يجربوه , باعوا كل شئ عام يمت للشعب بصلة , دمروا الجمعيات التعاونية الاستهلاكية ثم عادوا على هيئه (سينين ) , ثم ها هم بعد سنين يتحدثون عن ذات اللعبة القديمة , مجمعات استهلاكية ؟ بكم ستبيع علبة الصلصة (المستوردة ) يا فالح , السر يكمن هنا ولا يتحدثون عنه , زيادة دولار الجمارك وما تبعه من زيادة في أي معادلة جباية أخرى , أسألوا أهل السوق يجيبون ! القيمة المضافة تضرب مباشرة في 18جنيه , وعلى ذلك قس , من فرض هذه القيمة للدولار الجمركي أهم التجار في سوق الحوش ؟.

    منذ بداية الشهر , ولا شئ سوى حركة كرّ وفرّ بين الأجهزة الأمنية التي تحاول بلا جدوى في النهاية أن يلزم الناس صمت القبور , وبين حركة احتجاج وتذمّر متصاعدة وطبيعية , فما الذي يرجوه جماعة 2020 ؟ ما هو البرنامج يا سادة أ هو القول الرتيب عن ( لا بديل للبشير سوى البشير ) , هب أنّ أمر الله قد نفذ , وهل يملك بشر عمره ؟ كيف سيكون حال أصحاب لا بديل الأّ البديل ؟ يا جماعة الخير , من سيضمن في الأساس أن يستمر هذا الوضع المنهار لشهر أو شهرين ؟ من يمتلك صك ضمان إلهي وشعبي بأنّ الجوع وحده سيكون أكبر ثورة تجتاح العروش لا يعرف الجوعى التواريخ والمواقيت ولا اللجان القومية وغير القومية , هذا هو أو القول الصريح , لن يستمر الحال على ما هو عليه صدقوني إنّي أرى بين خيالات الحمى والبرد والرجفة وحالة الإلتهاب أرى الوطن يتعافى , ولو لم نحضر زمانه , ليس مهما أن يعيش كل الناس الزمان الجاي , ولكن من الأهم أن نشارك كلنا في صنعه ولو بأضعف الإيمان .