التغيير: قرشي عوض

اعتبر خبراء في العلوم السياسية وقادة سياسيون التقتهم (التغيير الاليكترونية)، القرارات الاخيرة التي اصدرها رئيس الجمهورية بتكوين مجالس تقوم بمهام الوزرات المختلفة، صفعة للدستور ومخرجات الحوار الوطني، وتهميش  للسلطة التنفيذية والغاء لاستقلاليتها.  كما انها تنسف مبداء الفصل بين السلطات، وتمهد لانفراد البشير بالحكم في البلاد، عبر كيانات يرأسها هو، مما يعكس عمق الازمة الاقتصادية والسياسية في البلاد عموماً وسباق التيارات داخل السلطة والمؤتمر الوطني  واطفاء  لبصيص  الامل في ان تكون هناك معارضة وفق الدستور، والتي كان يتوقعها القادمون الجدد الى الانقاذ.

واشار د.الياس سعيد الى ان الخطوة فيها تغول على مجلس الوزراء واجهزة الحزب بحكم انها تنشيء اجسام موازية، وهو تقليد قديم في الانقاذ، لكنها في الوقت الحالي تحدث في ظل ظروف استثنائية، وتعكس عدم ثقة الرئيس في المؤسسات القائمة والتي يبدو انها لم تحقق المطلوب منها.

ويؤكد محمد وداعة القيادي بحزب البعث السوداني ما ذهب اليه سعيد ويضيف بان الرئيس فقط استعاد سلطات كان قد فوضها لنائبه، بتفكيك مجلس الوزراء الى عدد من المجالس واصبح بكري حسن صالح بلا مهام، بل ان وظيفته التي يجمع فيها بين منصبين لم تعد قائمة، وان نوابه قد تحولوا الى اعضاء في المجالس الجديدة، وفقدوا السيطرة التي جعلت  احدهم يقوم برئاسة القطاع الاقتصادي.  

ويشدد وداعة على ان الرئيس استبق العملية ومهد لها، وكانت له مجالسه التي استدعى لها عدد من الوزراء في القصر وان قراره الاخير تنفيذ لامر اصلاً ظل نافذاً وهو تكريس للسلطة في يده بما يمكنه من فصل وتعيين حتى موظفي الخدمة المدنية ومدراء الجامعات وهو، وضع ظل يمارسه بالفعل، وان الدستور يخوله ادارة كل القطاعات عبر وزير مختص،  وهو بهذه الطريقة استعاد سلطاته التي فوضها لوزرائه في وقت سابق وحولهم الى مقررين للمجالس الجديدة. ويقف وداعة عند ملاحظة ان القرار لم يشمل الامن والدفاع لانهما اصلاً يخضعان لادارة الرئيس المباشرة. ويضيف د.صديق تاور ان سلب صلاحيات الهيئات الاخرى يتجلى من خلال ارتباط هذه المجالس براس الدولة الذي يراسها كلها مما يعني ان لها صلاحيات وسلطات اعلى من الاجهزة التنفيذية وتستقوي برئيس الجمهورية  في ممارسة مهامها وان تكوينها جاء مفاجئاً للجميع، ويتضح انها يرتبط بحسابات تخص البشير، لها علاقة وثيقة بحالة الاحتقان السياسي الحاد في البلد والذي يهز كرسي الرئاسة بقوة، بسبب السخط الذي افرزته الاجراءات الاقتصادية الاخيرة على مختلف القطاعات. ولا يمكن قراءة ما حدث خارج الازمة العامة في البلاد، والخاصة بالحكومة والمتمثلة في الصراع بين مراكز القوة.

ويرى كمال عمر ان الرئيس يستعمل سلطته في الطواريء والمادة 58 من الدستور بصورة معكوسة لسلب اختصاص مجلس الوزراء وضرب النظام الرئاسي الذي يحكم به السودان حسب وثيقة 2005 ، خاصة استقلال السلطات الثلاثة عن بعضها البعض. وهو بهذا المنحى يجمع كل السلطات في يده، وهذا مخالف لما جاء في مخرجات الحوار الوطني التي بصم عليها والمتمثلة في ان الاصلاحات المنشودة يجب ان تكون في شكل مفوضيات مستقلة نختار لها اشخاص اكفاء.

ويقف يوسف حسين القيادي بالحزب الشيوعي عند حقيقة الوضع الذي آلت اليه البلاد بتكريس الشمولية وتعبيد الطريق للانتقال من ديكتاتورية الحزب الى ديكتاتورية الفرد في ابشع صورها، وان هناك شخصيات اصبحت تتمتع بسلطات اعلى خاصة الرئيس الذي يقرر في امهات القضايا مما يقلل دور هياكل السلطة الاخرى ويجعل الحكم مطلقاً. وهذا خلاف ما طالب به الذين التحقوا بالحوار الوطني والذين كانوا يتوقعون تقليص الشمولية، وما حدث فيه تقوية لقبضتها، دون التزام بالنص الدستوري الذي يقر وجود معارضة، في حين تقوم السلطة ليس بفض المواكب السلمية ولكن باعتقال الناس من منازلهم.