نبيل أديب

“اذا بقيت صامتا، ستتم إدانتي بالتواطؤ”.- البرت اينشتاين

في رده على سؤال الصحفي المعروف أحمد البلال، في برنامجه التلفزيوني المحضور، عن السبب في عدم إستجابته للطلب الذي قدمه له الحزب الشيوعي ليسير موكبا لتسليمه مذكرة برأي الحزب في الميزانية الخاصة بولاية الخرطوم، كان رد الوالي أن السبب في ذلك هو الحفاظ على الأمن والإستقرار.  ثم تساءل هل يهمهم المظهر أم أنهم يرغبون في تقديم نصيحة حقيقية؟ وأكد أنه مستعد لإستقبال وفد من الحزب الشيوعي في مكتبه، لسماع رأيهم ومقترحاتهم فيما يتعلق بالميزانية، وتسلم المذكرة منهم، ومن ثم عرضها على حكومته للفصل فيما حملته من مطالب.

سماع ما يقوله الشعب

وهذا الموقف من السيد والي الخرطوم يشكل خطوة إلى الأمام، ولكنها خطوة غير كافية. فرغم أن ما أبداه الوالي من إستعداد لإستقبال وفد من الحزب الشيوعي في مكتبه، هو أمر جيد، وهي ممارسة ديمقراطية صحيحة، خاصة وقد أوضح أنها معاملة لا يخص بها السيد الوالي الحزب الشيوعي، بل تشمل كل الأحزاب المعارضة. ولا نعتقد أنه يمانع أن تمتد دعوته لتشمل أيضاً النقابات، ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالمسألة موضوع المذكرة التي يرغبون في نقاشها مع الوالي، لأن ذلك يعكس فهماً صحيحاً لموقع السيد الوالي من الشعب، لأن الوضع الصحيح للحكومة هي أنها خادمة للشعب، وليست سيدة له، و هذا يتطلب منها أول الأمر أن تصغي لما يقول، فالشعب هو مجموع كل هؤلاء، وليس مجرد لفظ هلامي يحتكر الحديث بإسمه كل متحدث.

الشعب بطبيعة الأمر ينقسم إلى مؤيد للحكومة، و معارض لها و غير منتم لأي منهما، وعلى الحكومة أن تسمعهم جميعا، فالحكومة التي لا تسمع إلا رأي مؤيديها، هي حكومة تُضيِّق فرصتها في تبين أخطاءها، وتوسيع شعبيتها. وهذه الإجتماعات في مكاتب المسؤولين توفر الزمان والمكان المناسب لسماعهم

ما يلزم طرحه في الغرف المغلقة

لا معنى في واقع الأمر لتلك الجفوة والمخاشنة، التي نرى الحكومة تنتهجها نحو المعارضة، ليس فقط لأنه مظهر لا يكشف عن نضج كاف في العمل السياسي، بل لأنه مظهر لا تعرفه الأنظمة الديمقراطية الحقيقية. الأنظمة الديمقراطية لا تعرف إحتكار السلطة، لأن اساسها هو التبادل السلمي للسلطة، وهو الأمر الذي يتطلب سلاسة إنتقال السلطة من مجموعة لأخرى، دون أن تعقبها أي محاكمات، ولا إعتقالات، بالنسبة للأفراد، ولا تغييرات حادة في السياسات تسبب زلازل سياسية تحدث آثاراً ضارة على النسيج الإجتماعي. وهذا يفرض أن تكون خبايا السياسات المتعلقة بالأمن والدفاع والعلاقات الخارجية موضع تداول بين الطرفين، وهي مداولات يجب أن تكون قاصرة على قيادات المعارضة، لحساسية المعلومات التي يتم التداول حولها. هذه المسائل التي يحسن النقاش حولها في دوائر ضيقة قبل طرحها للنقاش العام، يلزم بحثها في الغرف المغلقة.

إذاً فإن إستعداد السيد الوالي لمقابلة وفد من حزب معارض، ليناقش معه السياسات التي يرغب الحزب المعني في نقاشها معه، يشكل خطوة للأمام، وممارسة ديمقراطية لا غبار عليها، ولكنها غير كافية من حيث أنه يجب أن تمتد أفقياً ورأسياً حتى تؤتي أكلها.

والإمتداد الأفقي هو أن يكون هذا ديدن جميع المسؤولين في الدولة بما في ذلك السيد مدير جهاز الأمن الوطني، وذلك يعود إلى أن الأمن الوطني لا يشكل هماً بالنسبة له فقط، ولا للمسؤولين الحكوميين وحدهم، بل أيضاً للمعارضين، لأنهم مواطنون مشغولون بالهم الوطني، ولأن معارضي اليوم، هم حكام الغد، مما يلزم معه عندما يتولوا مراكزهم الجديدة أن يكونوا مطلعين على المسائل التي تؤثر على الأمن الوطني.

ما يلزم طرحه في الهواء الطلق

أما بالنسبة للتطور الرأسي فإن رفض السيد الوالي للمظاهرة، بإعتبارها مسألة تؤثر سلباً على الأمن القومي، لا يكشف عن عمق كافٍ لفهم الحق الديمقراطي في التعبير عن الرأي، والذي يشكل حق تسيير المواكب جزءاً هاماً منه.

 فالنظام الديمقراطي هو صفقة متكاملة  package deal تكمل الأجزاء المكونة لها بعضها البعض، بحيث يصعب قبول جزء منها والوقوف عنده، وهو الأمر الذي كشف الغطاء عنه صديقي النابه محمود دفع الله الشيخ المحامي حين إقترح في صفحته في الفيس بوك على الحزب الشيوعي أن يستجيب لدعوة الوالي، ويشكل وفداً من الذين تم إعتقالهم عقب المظاهرة من قيادته، ويطلب من الوالي إستقبالهم في مكتبه. ماذا سيفعل الوالي في هذه الحالة؟ وكيف يوفق إستعداده لمقابلة من يحملون رأياً مخالفاً لرأيه في مكتبه، وتبادل الرأي معهم، مع موقف السلطة التي ينتمي إليها حين زجت بهم في السجن بسبب رأيهم الذي لا يرغب الوالي في سماعه فقط، بل يعترف لهم بالحق في إبدائه حتى يدعوهم بسببه إلى مكتبه فقط ليسمع ذلك الرأي.

ثم ماهو المخالف للأمن في تسيير موكب؟ دعنا ننزع القشرة التي تغطي ما ذكره السيد الوالي لنرى هل يطابق ما يرغب الحزب الشيوعي في القيام به مع ما يدعوهم إليه السيد الوالي؟

المناصحة والإحتجاج

“أولئك الذين يجعلون التغيير السلمي مستحيل، يجعلون الثورة العنيفة أمرا لا مفر منه” جون كينيدي

الحزب الشيوعي رغب في تقديم مذكرة للسيد والي الخرطوم في موكب جماهيري حدد خط سيره، ولكن الوالي يدعوهم إلى تعيين وفداً محدود العدد يحمل المذكرة إليه في مكتبه للتداول في شأنها حفاظاً على الأمن القومي. والفرق بين الإثنين هو ان الغرض من الممارستين مختلفتين، ولا تغني إحداهما عن الأخرى. ففي حين يريد الحزب الشيوعي أن يخاطب الوالي في حضور الشعب، يرغب الوالي في ان يهمس له الحزب الشيوعي برأيه في مكتبه، وهذين ممارستين مهمتين ولكنهما مختلفتين، فالوالي يدعو الحزب لتقديم نصيحة والتداول فيها، و الحزب الشيوعي في دعوته للموكب، لا يرغب في تقديم نصيحة، بل يرغب في الإحتجاج على سياسة. الحزب الشيوعي يرغب في أن يعلن عن موقف معارض لسياسة الوالي، ويرغب في حشد الرأي العام خلفه في معارضة تلك السياسة ،وتبيان مدى إتساع رقعة المعارضة لتلك السياسة، وسط الجماهير من مختلف الدروب السياسية. وممارسة الناس لحقهم في التعبير عن رفضهم لسياسة الوالي، يساعد الحزب الشيوعي في بلورة طرحه، ومعرفة مدى مقبولية طرحه لدى الجمهور. كما يستفيد منه الوالي أيضا حين يرى مدى شعبية أو رفض سياسته المعلنة لدى الرأي العام. هذا ما يتعلق بحق الحزب الشيوعي في الإحتجاج وهذا لا يجب أن يمنع أو يعرقل دعوة الوالي له للنقاش في مكتبه بغرض التوصل لأرضية مشتركة متعلقة بالمسألة.

هذا ما كان من مزايا تقديم المذكرة في موكب، فماذا عن ما يؤخذ عليها؟

في حديثه التلفزيوني موضوع هذا المقال، لم يشرح السيد الوالي رأيه في هذه المسألة بإستفاضة، ولكنه ذكر بصفة عامة أن الحفاظ على الأمن كان السبب في عدم الإستجابة لطلب الحزب الشيوعي. والسؤال هو ما الذي يجعل من الموكب الذي دعا له الحزب الشيوعي ما يقود إلى الإخلال بالأمن؟ الوالي لم يذكر ظروفاً خاصة تدعو للتخوف من ذلك، فهل يعني أن المواكب في حد ذاتها تحمل خطر الإخلال بالأمن؟ إذا كان يعني ذلك فلا مندوحة لنا من أن نخالفه الرأي، لأن مؤدى ذلك النظر هو إلغاء تام لحق التجمع السلمي، وهو حق دستوري لا نستطيع حتى لو شئنا أن نقبل إلغاءه بشكل كامل وتام. إذاً فحتى يكون لرأي السيد الوالي ما يسنده، كان يتوجب عليه أن يوضح ظروفاً خاصة تجعل السماح بسير ذلك الموكب، بسبب تلك الظروف، ما يدعو للتخوف من إحتمال تكدير صفو الأمن. واقع الأمر هو أن ما يكدر صفو الأمن هو سياسة حظر حق الإحتجاج السلمي، لما تقود إليه من إحتجاجات عنيفة.

لا شك أنه لا يوجد، فيما نعلم من الدستور والقانون، ولا فيما ذكر الوالي، ما يبرر ما قامت به الحكومة حين لجأت إلى فض موكب سلمي بإستعمال القوة، وإلى إعتقال بعض من الداعين للموكب أو المؤيدين له والمشاركين فيه. فبالنسبة للإعتقالات التي تلت الموكب فإنها تصادم بشكل مباشر لدعوة الوالي لهم، وإستعداده لإستقبالهم في مكتبه لشرح شكواهم، إذ أن الإعتقال لا يكون إلا بسبب نشاط غير مشروع، في حين أن الإستقبال بمكتب الوالي هو تأكيد لحقهم في طرح ما يعتقدونه على الناس.

المسألة في تقديرنا تعود إلى عدم قبول السلطة لمجمل الصفقة الديمقراطية التي يقدمها الدستور، والتي ظهر أن الوالي يقبل بعضها دون البعض الآخر، حين لا يقبل التعبير عن الرأي المعارض إلا إذا تم له وفي مكتبه.

حتى تكتمل الصفقة الديمقراطية فإن على السلطة معالجة مسألتين، الأولى تتعلق بفض المواكب السلمية، والثانية بحدود العمل السياسي المعارض.

فض المواكب السلمية

“نحن مسؤولون اخلاقياً عن عصيان القوانين المجحفة” مارتن لوثر كينغ

لقد تعرضنا في الإسبوعين الماضيين لمسألة الحق في تسيير المواكب، وتبين لنا أن القانون لا يتطلب التصديق على الموكب. أما عن فض المواكب، فقد عالجه قانون الإجراءات الجنائية في المادة 124 منه، ونصها كالتالي” يجوز لأي ضابط مسئول، أو وكيل نيابة، أن يأمر أي تجمهر غير مشروع، أو أي تجمهر يحتمل أن يرتكب جريمة الشغب، أو جريمة الاخلال بالسلام العام، أن يتفرق، وعلي أفراد ذلك التجمهر عندئذ التفرق. “

وأول ما يلاحظ عن هذه المادة أنها لم تعرف تعبيرالتجمهر غير المشروع، رغم أنه غير مُعرّف في قانون الإجراءات الجنائية، ولا القانون الجنائي. وبالتالي فلابد من العودة للمعنى العادي للألفاظ. ومعنى تجمهر هو التجمع والإحتشاد، وهذا يعني عدداً من الناس دون تحديد، أما غير مشروع فتعني مخالف للقانون. ويكون التجمهر، وفقاً لذلك مخالف للقانون، إذا كان في زمان أو مكان يمنع القانون التجمهر فيه. وإذا كان الإحتشاد في الطريق العام فإنه يحمل بالضرورة عرقلة لحركة المرور، ولكن هذا لا يعني أن أي موكب هو تجمع غير مشروع، لأن ذلك التفسير مؤداه مصادرة الحق الدستوري في التجمع السلمي، ولما كان الأمر يخضع للتناسب حسب قرارات محاكم حقوق الإنسان، واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب،ففي هذه الحالة يتوجب على الشرطة تحويل حركة المرور لتسمح للموكب بالسير، إحتراما لحق المشاركين فيه في التعبير عن رأيهم، وحقهم في التجمع السلمي.

لما كانت المواكب هي ممارسة لحرية دستورية محمية، فإن إفتراض عدم مشروعيتها لا يستقيم مع حكم الدستور، بل يجب على الضابط المسؤول أو وكيل النيابة قبل أن يصدر أمره للتجمهر بالتفرق، أن يكون قد إقتنع بأن ذلك التجمهر هو تجمهر غير مشروع.

إذا أصدر الضابط المسؤول، أو وكيل النيابة، أمره للتجمهر بالتفرق ولم ينصاع الموكب لذلك الأمر، جاز للضابط المسئول أن يأمر بتفريق الموكب بإستعمال أقل قوة ضرورية. ويلاحظ هنا أن القانون لم يحدد رتبة معينة للضابط الذي يأمر بإستخدام القو،ة كما وأنه لم يعرف أقل قوة ضرورية، وكان هذا يستلزم تحديد الأسلحة غير النارية المستخدمة بشكل يمنع من إحداث أذى جسيم بالمتظاهرين. كذلك نلاحظ أن القانون منح السلطة إستخدام السلاح الناري لوكيل النياب،ة وقد كان قانون 1974 يمنحها للقاضي ونعتقد أن سلطة الأمر بتفريق الموكب، وما يتلوها من سلطة إستخدام القوة الضرورية لذلك، والتدرج فيها، كان يجب أن تترك في يد القاضي، لأن القاضي هو الأمين على الحريات، ولأن وكيل النيابة الذي يأمر بتفريق الموكب، هو نفسه الذي يمثل الإتهام في أي محاكمة لاحقة، وبالتالي فإنه ليس في موقف يسمح له بإتخاذ أمر التفريق، الذي هو الأمر الذي يحول المشاركة في المسيرة من ممارسة لحق دستوري إلى تجاوز لذلك الحق.

ويلاحظ هنا أيضاً على أن سلطة القبض وفقاً للقانون تقتصر على المشاركين في المسيرة، والذين يرفضون التفرق رغم صدور أمر صحيح بذلك، وهو ما سنعود له لاحقاً. لذلك فإن الإعتقالات التي طالت الداعين، أو المؤيدين للمسيرة، أو حتى المنظمين لها، هي إعتقالات مخالفة للمستوى الدولي، الذي تتطلبه حماية الحق في التجمع السلمي. لذلك ينص التقرير الذي أعدته مجموعة الدراسة الخاصة بالحق في حرية التنظيمم والتجمع السلمي في إفريقيا، أن فرض العقوبات على منظمي التجمع، تتعارض مع القانون الدولي. ففي حين ينبغي على منظمي التجمع أن يتعاونوا مع الجهات المكلفة بإنفاذ القانون في ضمان أن يتصرف الموكب بصورة سلمية، إلا أن المسؤولية النهائية في ضمان حماية التجمعات، وإتساق سلوكها مع القانون، تقع على المسؤولين الحكوميين. ولذلك فإنه لا ينبغي أن يتحمل منظمو التجمع مسؤولية عن السلوك غير المشروع للآخرين.

إذاً فإنه في أي محاكمة بسبب الإشتراك في أي مسيرة غير مشروعة، يجب أن يقتنع القاضي أولاً، بوجود أسباب دعت الضابط المسؤول أو وكيل النيابة إلى أن يعتبر التجمهر هو تجمهر غير مشروع، وأن يقوم بإصدار أمر بتفريقه، وأن المتهم الذي تجري محاكمته تحدى ذلك الأمر رغم صحته، ورغم أنه لا يخرق له حقاً دستورياً.

وينبغي على من يصدر الأمر بتفرق التجمعات العامة، أن يفعل ذلك كملاذ أخير، وفقط عندما يكون هناك عنف، أو تهديد وشيك بالعنف من الموكب. أما في الحالات التي يقوم فيها أفراد معزولون بأعمال عنف أو أعمال أخرى غير مشروعة، ينبغي  على المسؤول أن يأمر بإبعاد هؤلاء الأفراد عن الموكب، بدلا من أن يأمر الموكب بالتفرق. هذا ما يجب على الإتهام إثباته بما لا يدع مجالاً لشك معقول، حتى يمكن إدانة المشاركين في الموكب الذين تحدوا الأمر بتفريق الموكب. المسؤولية يجب أن تكون دائما مسؤولية شخصية، بحيث لا يخضع منظمي الموكب ولا المشاركين فيه لأي نوع من العقاب بسبب الأفعال التي يرتكبها آخرون. ینبغي علی القانون  أن يتواءم  في مجال التجمعات السلمية مع المبادئ الأساسیة للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة الناریة من قبل موظفي إنفاذ القانون، بما في ذلك ضمان أن تستخدم القوة فقط کملجأ أخیر، وأن لا تتجاوز الحد الأدنی الضروري ، وأن يكون استخدام القوة التي يمكن أن ئؤدي لتسبيب الموت، قاصراً على حالة الدفاع عن النفس. وفي أي حالة يكون فيها إدعاء جدي بإستخدام مفرط للقوة من جانب القوة المنفذة للقانون، يجب على السلطة أن تجري تحقيقا شاملاً وعلنيا عن صحة ذلك، كما ويجب مساءلة أي مسؤول عن ذلك.

قانون الأمن الوطني و المواكب السلمية

“الوطنية تعني الوقوف مع الوطن. وهذا لا يعني بالضرورة الوقوف مع الرئيس او اي مسؤول حكومي اخر “.- ثيودور روزفلت

المسألة الثانية هي أنه أصلاً لا يجوز إستخدام قانون الأمن الوطني فيما يتعلق بالمواكب السلمية، وذلك لأن السلطات المتصلة بالإعتقال الممنوحة لجهاز الأمن الوطني لا تتصل أصلاً بالعمل السياسي الحزبي، ومن ضمنها تسيير المواكب وعقد الإجتماعات العامة، والذي يقع بأكمله في دائرة الضوء، وإنما تتصل بما يجري في الظلام من معاملات تستهدف الوطن، كإقليم يسكنه شعب يمارس السيادة على ذلك الإقليم. نحن الآن لا نتحدث عن دستورية المادة 50 من قانون الأمن الوطني، ولو تحدثنا لما كفانا هذا المقال لإيراد الحجج ضد تلك المادة، ولكننا نتحدث فقط عن مجال إستخدامها، فالزج بجهاز الأمن في الصراع السياسي الحزبي، يضيف عدم دستورية الممارسة، لعدم دستورية النص. مسألة المواكب في الطرقات يعالجها القانون الجنائي، وقانون الإجراءات الجنائية، ولا دخل أصلاً لقانون الأمن الوطني بها. وإذا جاز لأعضاء الجهاز أن يتدخلوا فيها، فإنهم يجب أن يفعلوا ذلك بموجب سلطات الشرطة التي منحها قانونهم لهم، وليس بموجب قانون الأمن، وعليهم التقيد تماماً بأحكام قانون الإجراءات الجنائية، وبحدود السلطات التي يمنحها ذلك القانون، وعليهم تحمل مسئولية أي تجاوز لتلك السلطات.

نبيل أديب عبدالله

المحامي