صلاح شعيب

 

إذا استمرت التظاهرات الغاضبة على غرار ما حدث في مدينة بحري، وأجزاء أخرى من البلاد، ضد الأوضاع السائدة، فإن الطغمة الفاسدة التي تحكم شعبها الآن بالاستبداد ستطلق ساقيها للريح قريبا. وما من شك أبدا أن الطغاة، ومناصريهم، من أجبن خلق الله على مواجهة سيل الجماهير العرمرم. لقد خبرنا سيرة الطغاة في الزمان القديم، وشاهدنا ضعفهم في الزمان القريب، وهم تحت قبضة الثوار يتوسلون الرحمة لا يلوون على شئ. فقادة الإخوان المسلمين الذين يتمتعون بمزايا الحياة كافة، ويرسلون الشباب، والمغرر بهم الى ساحات الوغى، لن يقدروا على مجابهة مصيرهم بأنفسهم عند اشتداد وطأة حصار الجماهير الكاسحة. وهاهم تراهم الآن مذعورين يترقبون مسار الثورة السودانية، وهو آخذ في الاضطراد. وحين تأتي اللحظة الحاسمة سيبحثون عن جحور يلوذون إليها تحميهم من غضبة شعب السودان الذي ذاقوه الهوان، والذل، والمسغبة، على امتداد ثلاث عقود تقريبا، بينما هم استباحوا ثروات البلاد، وأفسدوا مكوناتها، وانتهكوا حرمات المواطنين، وشردوا كل الخبرات التي لا تنتمي لتنظيمهم ال.  

إن نجاح تظاهرة بحري التي دعت لها حركة ١٧ نوفمبر هو مراكمة ضرورية لتهيئة المشهد السياسي لصنع التغيير، والذي سيكون قاب قوسين، أو أدنى كلما تنوعت سبل مقاومة بطش الأجهزة الأمنية، وكلما تناست القوى السياسية المؤثرة خلافاتها، وتوافقت على أولوية إسقاط النظام، وكلما تعمق الوصل مع القواعد الشعبية، وكلما كان الإصرار عظيما على مواصلة السير في درب المسيرات السلمية، مهما تعالت أصوات التخاذل، وتفنن النظام، ومناصروه، في حيل البقاء في السلطة. ولا بد التيقن من أن سعي شعب السودان السلمي إلى تحرير البلاد من دنس الإخوان المسلمين يتطلب المزيد من المثابرة لكسر شوكة قواهم الأمنية الضاربة، والتي ستجد نفسها لحظة تكثيف التظاهر عاجزة عن حماية أنفسها حتى، ناهيك عن مهاجمة المواكب. وما ذلك المشهد الذي وجدت فيه الشرطة الموكول إليها القمع وسط متظاهري بحري سوى تأكيد على إرادة الجماهير لا راد لمضائها. بل إن بعض أفرادها لوحوا بتأييد هتافات الجماهير في محاولة لتفادي الصدام مع الجموع الهادرة. وهكذا هو حال المأجورين حين يعسعس ليل السلطة، فلا يجدون قيمة للغاز المسيل للدموع، والعصي الكهربائية، والسلاح المطاطي، أو الناري. فالتغيير الذي يطال أنظمة الاستبداد حتمي، ولحظة انتصار الجماهير تأتي لا بد في الزمن الحاسم الذي يفاجئ المستبدين، ويشل تفكيرهم. وعندئذ يكون ميلاد التغيير كما إشراق الصباح، إذ تنطوي حقبة زمنية، وتنبثق أخرى واعدة بالبشر.

والحقيقة أن التغيير بأشكاله كافة لن يكون سهلا في السودان بمجرد إسقاط النظام. فكثيرون يرومون معايشة لحظات التغيير في سنوات حياتهم التي تتراوح بين الستين والتسعين. ولكن التغيير المجتمعي ربما يحتاج لبضعة قرون، خصوصا أن بناء الأمم يتطلب نوعا من تنمية القدرات الذاتية، والجماعية، والمثابرة، والهدوء، واليقظة الفكرية. ومع ثقل وطأة التخلف على أوطاننا تغدو محاولات السير في درب التغيير مرهقة للنفس، ولكن الأهم هو الرضا النفسي بالانتماء الى الفئة التي تنشد التغيير، انطلاقا من الهم بمصالح الكادحين الفقراء. 

هناك بعض الذين ينادون بالتغيير، ولكن حين يسأمون من طول انتظاره يسلمون أنفسهم للمعسكر الضد. وتاريخ نخبتنا مليئ بالتحولات الكوميدية من أقصى اليسار والاستقلالية إلى أقصى اليمين. ولعل معظم هذه التحولات لا تنبئ عن تطور فكري، وإنما تفرضها رغبة هذه النخبة في تذوق كيكة السلطة، والتمتع بالنفوذ، ومضاعفة الميراث للأبناء، والأحفاد على حساب المحرومين من التمتع بشبكة العلاقات العامة المتصلة بثروات البلاد. ولو أن نخبنا لم تساوم حول المبادئ، وتحترم الالتزامات الأخلاقية، ولديها القدرة للتضحية، لأورثتنا قطرا واعدا. ولكنها هي طبيعة البشر عموما. إذ تميل قلوب أكثرهم نحو مصالح الذات أكثر من مصالح الجماعة. والمشكلة الأساسية التي تجابه تفكير بعض النشطاء في حيّز التغيير هي تصادم هوياتهم الفكرية، والأيديولوجية، والجهوية، وعدم حرصهم الدائم على خلق أدب حوار، أو تعاون مثمر. وهذا التصادم حول برامج تغيير المجتمع نحو الأفضل ليس جديدا، بل صاحب قوانا السياسية التقليدية حتى قبل لحظة الاستقلال، وورثته في كل تقاطعات عملها السياسي عبر أفعالها الفردية، أو التحالفية المؤقتة. وهذا أمر طبيعي، وليس مستغربا، إذا نظرنا للتاريخ من زاوية تفهم للمكونات التي خلقتها حينذاك. فمجتمعنا كان، وما يزال، يفتقد قادة سياسيين ذوي مبدأ صلب، أو رجال دولة، مثل نهرو، أو مانديلا، وأولئك الذين يستطيعون أن يطفوا فوق المؤثرات البيئية التي تجذبهم جذبا حادا للمصالح الضيقة. وهذا يعني غياب تأثير التربية الوطنية في القواعد السودانية، والتي ما تزال بعد تنفيذ سياسات تعليمية قومية امتدت لستين عاما تجد في القبلية، والعشائرية، ملاذا للسند أكثر من سند الدولة، بقوانينها، ونظم عدلها المعروفة. ويبدو أن التعليم بدلا من أن يكون عونا للدولة أصبح وبالا على مجتمعاتها التي كانت أكثر سلاما، وأقل أدلجة، وتطرفا، مما هو حادث الآن بعد الثورات التعليمية الهائلة. 

ولذلك فإن الحل عند التغيير ليس في فتح المزيد من المدارس، والجامعات، وإنما يكمن في نوعية التعليم، ومعياريته، ووظيفيته. فإذا كانت بلادنا هي الأكثر غنى بالموارد الطبيعية، فإن الكليات، والوزارات، المعنية بتفجير طاقة البيئة هي الأقل اهتماما في أولويات الدعم الرسمي القومي. ولهذا نتفهم أسباب منح الجنوبيين وزارات الثروة الحيوانية، والنقل، والري، برغم أن وزارات الخارجية، أو الداخلية، أو التجارة، ليست أكثر أهمية من غيرها من الوزارات الأخرى. وللأسف ما يزال هذا الفهم هو المعشعش في عقول أهل الحل والعقد في البلد، والذين درسوا في أرقى الجامعات، وحصلوا على شهادات تخصص عالمية. وهنا تكمن أهمية التعليم التأسيسي الذي يؤثر في بناء الشخصية الوطنية، وتوجيهها لخدمة البلاد. فالتعليم الذي يخلوا من مقررات لتعميق أهمية مصادر ثروتنا، والتنوع الثقافي، واحترام حقوق الإنسان، والإيمان بالتسامح العرقي والديني، وتعميق الشعور بحدود المسؤولية الفردية، فلا معنى له، ولن ينتج سوى الفشل الذريع في بناء الأمة.

من البدهي أن إسقاط النظام هو حجر الزاوية لإحداث التغيير. والقناعة بهذا الفعل لم تأت اعتباطا في وقت تتعالى فيه سقوف تخويف قادة النظام، ومؤيديه، من انهيار الدولة في حال إنهاء حكم الحركة الإسلامية. والحقيقة أن وجود النظام نفسه في السلطة هو دلالة الانهيار، بما فعل على كل مستويات الحكم. فالبلاد أصلا منهارة بفساد منظومتها الإدارية، وحروبها، واقتصادها الذي هو قاب قوسين، أو أدنى من الانهيار الوشيك. ولا تسل عن التربية، والتعليم، والصحة، والعلاقات الخارجية، والزراعة، والصناعة، والتجارة، والأمن، والإعلام. فكل شئ في دولة السودان يكشف عن انهيار تام لدور الحكومة المركزية في تثبيت دعائم سلطتها. ولا تحكم العصبة الإسلاموية الآن إلا بالأمن، ومليشيات الجنجويد، إذ انتهت الى التفنن في دعم الديكتاتورية بعد أن كانت تتمشدق ببناء مشروع حضاري، ومن سخرية القول أن يتباكى إسلاميين على أوضاع زملائهم في بلدان مجاورة، ويستنكرون حكم العسكر بينما هم قد أسسوا لدولة الاستبداد التي فتكت بمواطنيها. ولكنه هو ذَا مخيخ الإخوان المسلمين. انهم لا يستندون على مبدأ، وإنما همهم هو الوصول الى السلطة سواء بطريقة ديموقراطية او عسكرية، ومن ثم تحطيم كل المبادئ التي يتوافق عليها الناس لو انها اعترضت سبيلهم للتمكن في الدولة وإخضاعها لعضويتهم، أو الذين يخدمونهم كعبيد نظير خدمات مادية، وعينية.