خالد فضل

يتعيّن على السودانيين , بموجب ما يجري الآن على أرض  بلادهم من وقائع , أن يتعاملوا مع فرضية فقدانهم بكل وضوح لأي حقّ في النظر إلى شأن وطنهم بأنّه شأن يهمهم , ليس للسودانيين دولة بالمعنى المتعارف عليه , فقد تحولت دولتهم المزعومة إلى حيازة خاصة بالرئيس , هذه هي الحقيقة التي تسود الآن , لم يعد هناك تنظيم حاكم , رغم الإجتماعات والمؤتمرات والحشود والتغطيات الإعلامية التي تصاحب مثل تلك اللقاءات , غضبة واحدة من جانب الرئيس تجاه أي موضوع مطروح في أجندة ذلك الحشد تحول البند إلى خانة (المسحوب) من التداول , ثمّ يتبع ذلك خروج التصريحات والأحاديث التي تطيّب في خاطر الرئيس , وتؤكد على سداد رأيه , وتبرر لتصرفه , وتدين محاولات البعض للإصطياد في المياه العكرة , ينسى المدافعون اولئك كل شئ ويبذلون قصارى جهدهم لـ (لملمة) غضب الرئيس وتطمينه بأنّ التنظيم من خلفه يشدّ من أزره , ويقف معه في خندق واحد لردع العملاء والخونة والمتربصين , وفي كل مرحلة يتم احلال في المقصودين بهذه النعوت , يمكن أن يكون المتربصون في مرحلة من المراحل , بعض قيادات التنظيم أنفسهم , بعد أن شبع المعارضون حد التخمة من هذه الصفات , حتى باتت لا تعني شيئا في أذهان عامة الناس , فما المعنى الجديد الذي يمكن أن يضيفه وصف (حسبو) مثلا لعرمان بأنّه عاق وخائن وعميل ؟ ولأنّ أعداء البلاد أنفسهم قد شملوا طيفا واسعا ممتدّا من دول الجوار إلى معاقل الإستكبار مرورا بإخوة العروبة والإسلام , فإنّه لم يعد في الواقع من ليس له طرف في عداوة البلاد وشعبها , أيعقل أنّ (الفهد المروّض) , وكلينتون (الزاني) , وإدريس دبيّ (الخائن) وأفورقي (العميل ) ومشايخ الخليج (الجبناء) , وفرعون (مصر) , بالتعاون مع (التجمع الوطني ) البغيض, والتحالف مع جون قرنق (المرتزق) , وبالتنسيق مع الطابور الخامس من ( الشيوعيين والبعثيين وفي بعض المرّات الشعبيين ) , دون أن ننسى أذيال الطائفية المبادة , كل هذا الطيف العريض شكلوا على مدى ثلاثة عقود من الزمان حزمة العداء للوطن والشعب !

فيما كان نور الله يسطع , وأنوار الشريعة تضئ , ورايات (لا إله إلاّ الله) ترفرف , وخيرات الأرض تنادي , وكنوز الأرض تفتح , وبركات السموات تتنزّل , على أهل السودان بفضل القائد الملهم !  لقد انتهت حرب الجهاد المقدّس في الجنوب إلى علم يرفرف في سارية (جوبا) أيّا كان الرأي في مآلات تلك الدولة الوليدة , انتهت حرب الغبائن التنموية والإجتماعية , وثورة المطالب السياسية المشروعة في دارفور إلى تطاحن القبائل , وتناحر الإثنيات , وسيطرة (الجنجويد) , وآلت الحركة السياسية السودانية إلى شيّع من آل الأمة , وشرائح من لمّة الإتحاديين , بات بين كل لافتة حزبين لافتة حزب ثالث من مشتقات (جهاز الأمن) , فيما بارت الحركة النقابية الفذّة , صارت مسيرات تأييد للقائد المستمر , في المنشط والمكره , والمنشط منشط شورى التجار , والمكاره فوق أرض وسماء السودان والسودانيين ممما لا يحيط بها كتاب مسطور , هي مواجع تنطوي عليها القلوب , المفجوعة من لدن شهداء حركة رمضان , وطلبة الجامعات , وضحايا معسكر العيلفون , ومناطق السدود , وبورتسودان وصولا إلى حريق (المك) في معسكرات دارفور وصناقير الجبال , إلى شهيد هبّة (الجنينة )الأخير وليته يكون الأخير !

  كان نور الله يسطع بفضل مجاهدات القائد الملهم , الذي (ركبناه بالبندقية , أنا ذاتي شلت البندقية اليوم داك وركبناه , بعدين قام دقانا , ودّانا السجون وكده , وديناه لاهاي , مدّ ايدو للحوار حوار الأقوياء فجلسنا وتحاورنا , ووصلنا إلى توافق , الآن الرئيس (خط أحمر ) ! هكذا سمغت كلمات منسوبة للسيد عمّار السجاد أحد قادة المؤتمر الشعبي تمّ نشرها عبر وسائط التواصل الحديثة , وهي في ملخصها تؤكد فرضية (دولة الرئيس) , فمنذ البداية كان واضحا أنّ ريسين غرقوا المركب , كان الترابي يدير الدولة من المنشية , يصدر القرارات التي تصبح محرجة للبشير وزمرة العسكريين وشلة الاسلاميين الذين يلتفون حولهم , وكان البشير في القصر يكيد للترابي ويتحيّن فرصة الانقضاض , حتى وقعت المفاصلة الشهيرة أو انقلاب القصر على المنشية وما تلاه من فصول أعلت من سطوة البشير بجعله المركز الوحيد الذي تدور حوله الأحداث . وكلما تم توريطه في كارثة وطنية كان رد فعله مزيد من احكام القبضة على التنظيم ومجالسه الضورية , والهجوم على الدستور ونصوصه المطاطية , حتى بلغ الحال بأن أصبحت نصوص الدستور تتلون بحسب رغبات وطموحات البشير وليس العكس من حيث إلتزام البشير بها . حدث هذا مرارا وتكرارا , وليس آخرها تمديد ولايته إلى أمد غير محدد أو سلطة تعيين الولاة , أو حلّ ما لا يوافقه من أجهزة كرتونية إلخ … في ظلّ هذه الكارثة كانت بعض وجوه الاسلاميين التقليدية تختفي عن السلطة والمناصب الوزارية لتتجه فورا إلى السلطة والسطوة المالية , لتجد أن إدارة أي مرفق (ملياري) تؤول مباشرة لهذا وذاك من الاسلاميين والاسلاميات , مع تقوية مراكز الأوائل الذين استولوا على السوق والاقتصاد مبكرا على أيام التمكين , وليظهر التنافس غير الشريف والضرب تحت الحزام , وصناعة أسماء من عالم العدم إلى حيازة جلّ أسهم البنوك وشراء المصانع في ثلاثة أيام , من هولاء وما هو ارتباطهم بالرئيس , مباشرة أو عن طريق أسرته ! وفي هذه الأجواء الخانقة يصعد طه عثمان مثلا لدرجة سيطرته على كل جهاز الدولة بمسمى (مدير مكاتب الرئيس), يصعد حميدتي مترقيا إلى رتبة الفريق بحجة حماية الرئيس ! ويهش بعض قادة الاسلاميين كعلي عثمان ملوحا من جديد بحكاية الحرص على الرئيس ! لقد خفت التوقع حول بكري مثلا باعتباره خليفة محتمل للرئيس , خبأ الكلام الفطير عن الاصلاح والحوار ووووو لقراءة موقف الرئيس , الذي يعلن من مدني أنّه يؤيد ترشيح إيلا رئيسا فيردها إيلا بإعلان البشير رئيسا أوحدا , ما هذا العبث واللعب المفضوح , هل غاب شئ اسمه الشعب السوداني من أي حسابات ؟ هل تحولت الدولة السودانية إلى قطعة أرض ملك حر باسم السيد عمر البشير , إذا حدث هذا فإنّ من حق المالك أن يتصرف كما يشاء في ملكيته الخاصة , ولا ينبغي بعد الآن أن نسمع شيئا عن هلام اسمه مؤتمر وطني وشورى وحركة اسلامية وكمية (عواليق) سادتي , الرئيس يطارده شبح اسمه الجنائية , ولأنّه لا يثق في أحد من الناس الذين حوله فلن يسمح وهو على قيد الحياة أن يدخل باقي عمره في تجربة غير مضمونة العواقب , فقد خبر بالتجربة خيانة الاسلاميين , وخوار وضعف خيال المآتة المسمى حزب , وبالطبع لا يأمنن الجيش ! ولا حتى المليشيات التي يمكن أن تغيير وجهتها في طرفة عين , الخيار الوحيد أن يصبح هو الدولة والدولة هو حتى يقضي الله أمرا .