بثينة تروس

 

هل أتاكم حديث من يهنئ رجال الأمن علي شرور أعمالهم! وعدم برهم بأهلهم!! اليوم نحن نفعل! فهم بجهالة منهم، وتنفيذاً للأوامر بقهر الشعب مزيد! قد ملأوا السجون بمعتقلين من كافة  قطاعات هذا الشعب، بالرغم من تفاوت أعمارهم، وتجاربهم النضالية، وجمعوهم  قلادة  شرف منتقاة، زينت جيد وطن، يعاني ( الآم ظهر حادة)! تحت اقدام  حكومة الاخوان المسلمين لعقود من (أزمة الاخلاق) التي أثمرت  الكذب بالدين، الفساد،  الجشع، والثراء الحرام. 

ومن أميز مافي تلك القلادة الوطنية، أنها قد ساوت في الإعتقال، بين الاستاذ صديق يوسف، ذلك الثمانيني عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، والذي تألفه مستأنساً به الفةً الصالحين، حتي ولو طالعك سمته في قصاصة جريدة! وبين رفاقه  الآخرين من اصحاب التجارب النضالية!

 وبين اسراء وشيماء فتيات ابراهيم الشيخ وأماني مالك ( حزب المؤتمر السوداني) ، شابتين، حسناوات كفتيات جيلهن، ولدن وترعرعن، ولم يشهدن للبلاد حكماً ديموقراطياً يفخرن به! ولكنهن سبق وعيهن وتطاول، وحاذي شجاعة ذلك الثمانيني، فاخترقن باعتقالهن، حواجز ساعدت الحكومة في تعلية جدرانها بين تلك الأجيال!  

وكسرن وأخريات وآخرين من الشباب المعتقلين،  من طلبة وطالبات الجامعات من الهامش، وهم كثر  فاضت بهم السجون، خرجوا من رحم هذه الارض، بلا ماض ولا أسماء لوامع، ولا مساحيق!! فخلخلوا طوَّق تلك الجفوة، في بداية حقيقة لتجسير تلك العلاقة، ومحاولة ازالة الريبة السياسية بين تلك الأجيال، علي (أمل)!!  ان تتمازج حكمة الساسة المجربين، بأحلام  الشباب، لدولة  الدستور  التي تصحح  إخفاقات  وإحباطات الحقب السياسية السابقة!!  

وهكذا، قد كان جرم ذلك الحكاي، الْغَنِي بتوصيف ذرات أحوال الناس، الهائم  بها كدرويش في أطراف القري،  يكتب عن أحاجي  الأطفال، والأغنام، (والمزيرة)، و( المقشاشة)،  والدجاجات النافعات، والنسوان الصالحات، والرجال الغبش، انه قد احزنته احزان تلك البلاد، و أنسانها، وبؤس خرطومها، وطفق ( يشحذ ) لأهلها، حق معلوم من خبز، وغاز وقود، ودواء يعين علي الصبر، ويطيب خواطر ( مرضاه) حتي ( يأتيهم شفائي او قضائي)  كما ورد في حديث الرب لموسي!! 

وكأني  بحال الأديب الروائي عبد الغني كرم الله ، في المعتقل الان، كحال ( الحذاء) بطل روايته  ( الآم ظهر حادة)    (( في ركن قصي من الغرفة تم إلقائي وكأني لم أستبسل وأدافع بشجاعة عن سعادة وسلامة الأرجل البشرية)).. 

اتصلت يوماً برسالة خاصة، اطمئن علي نصيرة  ( ستات الشاي)  ونازحات الهامش والحروب، الصحفية الجسورة أمل هباني، بعد ان جرجرها رجال الامن الي مكاتبهم! فردت بانهم لم يعتقلوها ( هذه المره.. ولكن تعدي عليها رجل الأمن وصفعها في وجهها، قائله ( الحمد لله، بس يا بثينة الكف لحدي هسع واجعني)! ولقد احسست بذلك الوجع في كرامتي، وكرامة مطلق سودانية، حين تمتهن كرامتك، ولم تكن بك حاجة! سوي ان تكون صوت من لأصوت لهم،  ولابد من تحية مستحقة لجهد منظمة ( لا لقهر النساء) الصبور الدؤوب.. 

وهاهي امل هباني تشاطر المعتقلات، بقامة الاستاذة سارة نقدالله، التي لم تحترم حكومة الاخوان المسلمين لها بذلاً  متقادماً وأصيلاً، في الوقوف مع الحق، وحين يرد  ذكر الاستاذة سارة نقد الله، الامين العام لحزب الأمة، استميحكم الأذن!  بمشاطرة قصة لا أمل تكرارها! لقد جمعت والدي عليه الرحمة الاستاذ عمر علي احمد تروس المحامي، بالاستاذة سارة علاقة محبة  واحترام عظيمتين، وكانت عنده تشبه ( الجمهوريات)! 

في أوائل التسعينات  تصادفا في القاهرة، وذهبنا الي لقائها في دار حزب الأمة، وحمل أبي معه ثلاثة من الحقائب الصغيرة  محملات بكتب لفرج فودة، والنجار، وسيد القمني وآخرون، كان قد اشتراها من معرض  القاهرة الدولي الكتاب، ودخولها للسودان يثير شهية الهوس الديني، واصحاب التكلس الأيدلوجي،  وبعد ان تحادثا قال لها ابي، وقد عرف عنه انه محدثاً لطيفاً، ورجلاً متحضراً في علاقته مع المرأة   ( يا استاذة ساره عندي طلب هذه كتب ممنوعة من دخول الدولة ، اريد منك ان تدخليها بالانابة عني، فانتي ياسيدتي، بهذه الكتب وغيرها تألفك المعتقلات، وتألفيها، وبها ومن دونها انتي داخله السجن ) .. فضحكت حتي أضاء وجهها اشراقاً، وقد كان ان سلمتها له في مكتبه!!

هل علم الاخوان المسلمين!  لهذا الشعب قدر تميزه، وعمق أصالته، ام قدروا قدراً لعظمة هذه السماحة؟! حاشا لله!! فهم ليس كبقية اهل السودان!! الذين صهرتهم شمسه الطاهره، وصنعت نخاع العظم فيهم كسرة الصوفية! 

 فهاهي السيدة  سارة، تقبع  في ذلك الركن القصي،  والبقية … (  كأني لم أستبسل  وأدافع بشجاعة  عن سعادة وسلامة الارجل البشرية) !! 

في حين ان وزير (الثقافة والإعلام  والسياحة) محمد يوسف الدقير، ووالي الخرطوم  مستشار ركن عبدالرحيم  محمد حسين هذه الأيام (يتحركان ) كتوأمان في ( الفارغة)!!

 لا يهم السيد والي الخرطوم جوع اهلها!  ولايهم وزير الثقافة والإعلام اعتقال الصحفيين او المثقفين! متناسياً ان من مهام  وزارته، نشر الفكر، والوعي، والثقافة، ورعاية القائمين عليها من الصحافيين والمبدعين والاُدباء، لكنهم  علي اي حال يمثلان خير نموذج لسياسات الدولة، في جهد الصرف في غير موضعه، دون مراعاة لحوجة الشعب او أزمته الاقتصادية!

تجد الوالي صباحاً يخاطب الوزراء ( وجه مجلس وزراء حكومة الولاية بمضاعفة الجهد لتخفيف اعباء المعيشة وتفعيل قانون حماية المستهلك) !

ثم  يتجه  هو ووزير الثقافة يتمسيان!  في ( كافوري)!!   مشاركين مؤسسة ابن البادية، مرحلتها الثانية ، يتجودان باموال الشعب  (  وقال نحن في الولاية دعمنا المشروع باكثر من 400 الف جنيه وفى ختام الكلمة اعلن الدقير عن تبرع السيد الوالي ( عبدالرحيم محمد حسين)  بمبلغ 200 ألف جنية إستكمالا لمسيرة المؤسسة) ..  3 فبراير 2018 جريدة الخرطوم 

كانهم لايعلمون ان لا حرية لجائع ! بل ان اهلنا قالوها حكمة ( مافي دين بلا عجين) خل عنك ( ثقافة)!!

  ولن يفيد المجاهد البشير بكائه!  واستجدائه للاسلاميين! من بين رجال الشرطة، او بعثه لرميم العظام، من كتائب الجهاد في الدفاع الشعبي   ( داعيا لتفعيل كتائب زيادة الإنتاج والكتائب الإلكترونية لمواجهة الحرب النفسية التي تسعي لهزيمة الشعب نفسيا) ..  

فكيف له ان يعلم!!  وهو الذي يبيت واهله شبعاناً ، وشعبه جائع، ان  (هزيمة الشعب النفسية) هم اصلها، وأصل الضائقة الاقتصادية، وانعدام السيولة في البنوك، وارتفاع سعر الدولار الذي صار يساوي 42 جنيه سوداني! وفِي السبعينات القريبة كان الجنيه السوداني يساوي ثلاثة دولارات!!

أن حكومة الاخوان المسلمين، شجرة خبيثة، تمددت جذورها في عمق البلاد بطولها وعرضها، وصارت وباءً  كجرذان بلدة هاملن الألمانية! في سابق القرون، حيث سكنت تلك الفئران القارضة كل البيوت، وغزت الشوارع، والمصالح الحكومية والدواوين، والمدارس، ودور العبادة،  واستعمرت البلدة، حتي ضاق السكان، وهجرها من هجرها، وتعذب من سكن فيها! حتي اتاهم صاحب المزمار السحري وعزف لهم عزفاً خلص المدينة من تلك الآفة، بعد ان تبعته الجرذان الي البحر ولقيت حتفها للأبد!! 

وجرذان المتأسلمين أسوأ لانهم يخططون لما يفعلون! ويفعلون ما ينفع مصلحتهم والمتمكنيين، والطفيليين، لذلك فلنعزف لهم في كل بيت لحناً  يعلن عن الثورة، دون ان نمكنهم من إلحاق الاذي بابناء هذا الوطن، فالثورة لها طرق عديدات،  منها تجويع هؤلاء الجرذان! حتي الافلاس! فان الأموال هي التي تغذي خلاياهم وتربي جشعهم، لذلك  قاطعوا منتجاتهم، وشركاتهم الخاصة، ومطاعمهم  الفاخرة، ومحلات شراء اثاثاتهم المستوردة! جففوا أوعية فسادهم! وأحذروا حالة ( السعار) التي سوف تصيبهم! ولتعاف السنتكم لغتهم، وتكبيرهم، وتهليلهم الزائف، الذي لايغادر حلوقهم والحناجر!   وهكذا  فلتبدعوا في طرد هؤلاء الجرذان!!  من بلد الطيبين،  واعزفوا لهم من المزامير ما يقلق منامهم!    

بالاستعداد لفترة مابعد اقتلاعهم!

الحرية للمعتقلين اجمعين والحرية لوطن طال اعتقاله!