التغيير: الخرطوم، وكالات

  طالبت الحكومة السودانية بتوخي الحذر في التعامل مع العملة الورقية فئة الخمسين جنيهاً في وقت أعلن فيه البنك المركزي خفض السعر الرسمي لصرف العملة المحلية بين المصارف إلى 30 جنيها للدولار ووضعت النطاق الأقصى للسعر عند 31.5 جنيه للدولار.

 

وكان البنك قد رضخ للفارق الهائل بين أسعار الجنيه في السوق السوداء وبين السعر الرسمي الذي كان يبلغ 6.7 جنيه للدولار قبل 6 أسابيع. وخفض أسعار الصرف إلى 18 جنيها للدولار في نهاية ديسمبر الماضي.

 

وبهذا الخفض الجديد تكون قد شطبت أكثر من 80 بالمئة من قيمة الجنيه في السعر الرسمي. ويرجح محللون أن تواصل الأسعار ابتعادها في السوق السوداء لتخبط سياسات الحكومة وفي ظل شح موارد العملات الأجنبية.

في غضون ذلك  أعلن النائب العام السوداني، عمر أحمد، اليوم، ضبط اثنين من مهربي العملات المزيفة، وضبطت الأجهزة الأمنية السودانية شخصين بحوزتهما 315 ألف جنيه من العملات المزيفة فئة 50 جنيها.

ومن المتوقع أن تتواصل قفزات الأسعار التي تضاعفت في الأسابيع الأخيرة وبدأت تثير احتجاجات واسعة من المواطنين في مقابل اندفاع الدولة لاستخدام العقوبات في مطاردة تجار العملة في السوق السوداء، الأمر الذي يفاقم عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

 

ويرى بعض المحللين أن الخرطوم قد تضطر لاتخاذ آخر العلاجات مثلما فعلت القاهرة بتحرير أسعار الصرف قبل 15 شهرا، رغم إنكار الحكومة السودانية عزمها اتخاذ تلك الخطوة.

 

ونسبت وكالة رويترز إلى محافظ بنك السودان المركزي حازم عبدالقادر قوله إن البنك قرّر خفض نطاق سعر الصرف إلى ما بين 28.8 و31.5 جنيه للدولار اعتبارا من يوم أمس الاثنين.

 

وسرعان ما تجدّدت الفجوة بين السعر الرسمي وأسعار السوق السوداء، حيث ذكر متعاملون أن سعر الصرف في السوق السوداء ارتفع أمس إلى أكثر من 40 جنيها للدولار.

 

وذكر عبدالقادر أن البنك المركزي لن يسمح للمستوردين بإيداع دولارات اشتروها من السوق السوداء “وفي حالة عدم قدرة البنوك على توفير كافة متطلبات الاستيراد، سيقوم البنك المركزي بضخ عملات أجنبية للبنوك، ولدينا احتياطي جيد من العملات الأجنبية”.

 

ولم يحدّد البنك المركزي المستوى الحالي للاحتياطيات الأجنبية في ظل استمرار شح العملات الأجنبية في النظام المصرفي الرسمي، مما يدفع المستوردين للجوء إلى السوق السوداء الآخذة في النمو.

 

 

وتلوح الحكومة السودانية باللجوء إلى سلاح العقوبات ضد المتعاملين بالعملات الأجنبية في السوق السوداء ومن تتهمهم بتهريب السلع الأساسية والذهب إلى خارج البلاد.

 

وأعلن وزير العدل إدريس إبراهيم جميل أن الحكومة تدرس تشديد العقوبات الرادعة على تجار العملة والذهب والمهرّبين من أجل السيطرة على التهريب من أجل تحقيق الوفرة في السلع الأساسية.

 

وأصدرت الحكومة السبت الماضي قرارا بحصر تجارة الذهب شراء وبيعا وتصديرا عبر بنك سودان، الذي قالت إنه سيشتري الذهب من مناطق الإنتاج ويقوم بتصديره، وأي جهة ترغب في الذهب عليها شراؤه مباشرة من بنك السودان ممثلا في مصفاة الذهب.

 

وتأمل الخرطوم من خلال تلك الإجراءات إلى زيادة مشتريات البنك من الذهب من شركات المناجم والأفراد رغم صعوبة ضبط العملية في ظل الفجوة بين أسعار الصرف الرسمية وأسعار السوق السوداء.

 

ويتوقع العديد من المحللين ألا تفضي الإجراءات الحكومية عن أي نتائج تذكر بسبب الفوضى والارتباك الحكومي وتردي الأوضاع الاقتصادية. وأكدوا أنّ الخرطوم قد تجد نفسها مجبرة على تحرير أسعار الصرف.

 

لكنهم مع ذلك يرجّحون أن يفضي مثل ذلك القرار إلى فوضى بسبب ضعف المؤسسات الحكومية والنظام المصرفي للتعامل مع تحرير أسعار الصرف، وقد يؤدي ذلك إلى تفجر احتجاجات غير مسبوقة بسبب انهيار القدرة الشرائية للمواطنين.

 

ويواجه الاقتصاد السوداني صعوبات مزمنة تفاقمت بشكل كبير منذ انفصال الجنوب في 2011 واستحواذه نحو 75 بالمئة من إنتاج النفط.

 

وانتشرت حالة من التفاؤل بين السودانيين في أكتوبر الماضي، حين رفعت الولايات المتحدة عقوبات استمرت 20 عاما عن السودان ونصح صندوق النقد الدولي الخرطوم بإجراء إصلاحات واسعة.

 

لكن الأوضاع سرعان ما تدهورت وتبددت الآمال بحدث انتعاش اقتصادي. واندلعت في الشهر الماضي احتجاجات واسعة في الشوارع بعدما تضاعفت أسعار الخبز عقب قرار الحكومة إلغاء الدعم في موازنة 2018 في إطار إجراءات تقشفية.

  

وتشير البيانات الرسمية إلى أن معدل التضخم يبلغ نحو 34 بالمئة على أساس سنوي حاليا، لكنّ المحللين يقولون إنه أعلى بكثير على أرض الواقع.

 

وتتخبط الحكومة في حالة من التوتر بحثا عن طوق نجاة ينقذها من انفجار الاحتجاجات.

 

ووضعت الخرطوم الشهر الماضي جميع أوراقها الاقتصادية في سلة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال زيارته إلى الخرطوم في الشهر الماضي.

 

ورسمت صورة وردية لإمكانية إنعاش الاقتصاد بمساعدة أردوغان الهارب هو الآخر من أزمات تركيا الاقتصادية، لكن جميع الآمال تبخرت مرة أخرى مع تلاشي قيمة الجنيه السوداني بسرعة كبيرة ووصوله إلى حافة الانهيار.