ركن نقاش

عيسى إبراهيم *

* قلت وكررت وكتبت: لو أراد الله بالاسلامويين خيراً لفاداهم الاقدام على الانقلابات العسكرية، إذ أنهم في آخر انتخابات برلمانية ديمقراطية في العام 1986 نالوا الدرجة الثالثة انتخابياً خلف الحزبين الطائفيين الأمة والاتحادي الديمقراطي بنصيب 700.000 صوت (حلال بلال)، حيث نال حزب الأمة 1.500.000 صوت وتبعه الاتحادي الديمقراطي بـ 1.250.000 صوت، وكنت دللت على الاختلاف النوعي في حصيلة الحركة الاسلاموية بسبب التعليم والآيدلوج، عن حصيلة الحزبين الآخرين التقليدية، ونسبة لاستغلال الحكة الاسلاموية أخطاء الحزبين الطائفيين و”نقَّو شعيرُم” في صحفهم الراية، وألوان، والمسيرة الطالبية، وكان تأثيرهم كبيراً في تجريد الحزبين من بهائهم ورونقهم، فذا كانوا صبروا دورة أو دورتين لاكتسحوا الحزبين أو – على أقل تقدير – لنالوا فرصة الائتلاف “متبوعين أو تابعين”، وأهم عنصر افتقده الاسلاموين باقدامهم على الانقلاب هو وجود معارضة برلمانية قوية تحصي عليهم أنفاسهم وتحميهم من الولوج إلى الخمج حين انفرادهم بالسلطة!!..

مرحلة التمويه

* دخلت الحركة الاسلاموية على عهدها الانقلابي بتمويه “تذهب إلى القصر رئيساً وأذهب إلى السجن حبيساً”، خوفاً من انفضاح أمر الانقلاب العسكري في يوم الجمعة 30 يونيو 1989، فتتكالب عليه الأحزاب وتقضي عليه، أكثر من ذلك ادعى البشير أنه قومي عربي مغازلاً بذلك جمهورية مصر العربية، ولمزيد من التطمين لدول الجوار، رجل فترة التمويه كان هو علي عثمان محمد طه، الذي اختفى عن الانظار ليقود الحكومة من وراء حجاب البشير، ومن ديك وعييييك!!..

مذكرة العشرة 1999 الطاعنة في الكارزما!

* قالت صحيفة مصادر (رئيس التحرير عبد الماجد عبد الحميد) – بعد “18” عاماً .. “مصادر” تكشف أسرار خلافات الإسلاميين..

-: “فى أكثر جوانبها وضوحاً اقترحت المذكرة تقليص صلاحيات الأمين العام وتحويلها للرئيس، كما منحت رئيس المؤتمر الوطني حق رئاسة المكتب القيادي أو ترشيح من يرأس المجلس”..، لكن القيادي الإسلامي وأحد الموقعين على مذكرة العشرة حامد تورين، قال إن المذكرة صيغت لتحقيق غرض معين يتمثل فى إبعاد الراحل حسن الترابي من مقود القيادة، وكشف عن معلومات تُنشر لأول مرة حول تباين رؤى موقعي المذكرة، وبحسب حامد تورين، الذي استقال عقب شهور قليلة من مفاصلة الاسلاميين، فهو واثنان آخران هما عثمان خالد مضوي وغازي صلاح الدين، وقعوا على المذكرة بقصد خلق مساحة من الحرية داخل أجهزة المؤتمر الوطني، وبما أن خلق مساحة الحرية هذه كانت تقتضي سحب صلاحيات من الأمين العام وقعوا على المذكرة من هذه الزاوية لكن السبعة الآخرين، كان غرضهم الحقيقي من المذكرة إبعاد حسن الترابي من المشهد السياسي داخل الحزب وتحويل صلاحياته بالكامل للطرف الآخر، وزاد (فى تيار داخل الحزب كان يريد ان يفرمل الترابي ويحد من طموحاته، وأن يستولى هو على الشغل كله، والمذكرة فتحت لهم مجالاً للصدام علناً) وهذا وفق رؤية تورين يتصادم مع أهداف المذكرة، وهو الأمر الذي دفعه بُعيد أيام قلائل ومع مطلع عام 2000 لتدوين مذكرة لرئيس الحزب، منبهاً فيها إلى ان المؤتمر الوطني تحول لحزب تقليدي وانحرف عن أهدافه، وأن القضايا التى ناضلوا من أجلها لم تعد موجودة، وأضاف تورين (استقلت فوراً عقب إيصالي المذكرة لرئيس المؤتمر الوطني). ووفقاً لإفادة تورين، فإن أغلب الذين وقعوا المذكرة – وليس كلهم – كانوا على يقين تام بأن تقديم المذكرة بصيغتها هذه سيقود الى انشطار التنظيم عاجلاً وليس آجلاً… وقال د. غازي في رده على سؤال حواري أجراه معه رئيس تحرير صحيفة مصادر ” كان خلافكم عميقاً .. واليوم تعودون لفتح نوافذ الحوار وهو ما كان مطلوباً من البداية؟: “خلافنا لم يكن موضوعياً.. ولم يكن مبدئياً.. خلافنا كان حول السلطة..”!..

انقسام 1999

* سارت الأمور كما تشتهي سفن الاسلامويين وظهر المخفي والمستور وجاءت الكاريزما “الترابي” متسنماً التمثيل النيابي للمجلس الوطني وأصدر دستور “1998”، وقد حوى في ثناياه أحبولة من حبائل الكارزما وكانت قنبلة موقوتة، حيث يستطيع البرلمان أن يقيل رئيس الجمهورية ولا يستطيع رئيس الجمهورية أن يحل البرلمان، لذا حينما اضطربت الأحوال بين البشير والترابي لم تسلم جرة البشير إلا بعلاج سريع من علي عثمان محمد طه لانقاذ البشير من توريط الترابي له دستورياً وذلك باللجوء إلى إعلان الطوارئ وتجميد الدستور، وانتهت المسألة بفرز الكيمان بين الوطني والشعبي!!..

هل كان البشير خياراً للاسلامويين؟!

* بالطبع لم يكن هو خيار الاسلامويين إلا في المرحلة ولأن “المكتولة ما بتسمع الصياح”، شاءت أقدار الاسلامويين أن يكون البشير (الذي تذوق طعم السلطة: وقد صبرت عن لذة العيش أنفسٌ وما…) هو خيارهم، أو هو خيار أم زين، أو قدرهم المقدور (وعلى كف القدر نمشي…)، المهم في الأمر أصبح البشير هو الخيار الأوحد، وساعد على استتباب الأمن والأمان له تلميذ الترابي علي عثمان م طه بحياكة الأمور بحنكة ودراية جعلت المسائل تسير في اتجاه البشير وبحجة خارج السياق تقول أن الجيش لا يقبل رئيساً له غير عسكري وهي الحجة التي جعلت بكري حسن صالح نائباً أول ورئيساً للوزراء بعد احالة علي عثمان ونافع الى الاستيداع!!..

تقويم البشير

* ذكر الدكتور الافندي أنهم كانوا مجموعة مستشارين حول البشير، ينصحونه ويقدمون له المشورة في ما يجد من أمور، وذلك في أول أيام استلام الحركة الاسلامية للسلطة، وكانت هناك زيارة للبشير لدولة الامارات المتحدة، وحينما وصلوا الى هناك وتم الاستقبال الرسمي للوفد ورئيسه البشير، وفي أول لقاء لقادة البلدين تحدث البشير بعفوية موضحاً أسباب استلامهم للسلطة قائلاً: نحن كنا محكومين بعائلتين في السودان (يعني الأنصار والختمية)، وشعر الوفد السوداني بالحرج كون الامارات تحكمها أسرة واحدة!!..

الانهيارات السياقتصادية

* الآن الوطن يمر بمنعرج حرج، حيث تفاقمت الاحوال الاقتصادية من جراء ميزانية 2018 المهلكة للمواطن، والتي رفعت أسعار السلع الحياتية الضرورية  الى معدلات تفوق قوة المواطن الشرائية، كما أن الأفق السياسي منغلق نتيجة “عصلجة” الانقاذ وانفرادها بالسلطة، وحمايتها للفساد والمفسدين، وانصرافها غير المبرر عن الانتاج المنقذ الوحيد للجنيه السوداني من انهياره أمام الدولار الأمريكي (الدولار فاق الـ  43 جنيهاً سودانياً في الموازي حتى أمس السبت والتوقعات تراهن على وصوله إلى الخمسين جنيهاً ثم إلى الستين جنيهاً)، وقد حملت مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لمواطنين يزدحمون على البنوك لسحب ودائعهم، والحكومة مستمرة للتصدي للمسيرات السلمية الرافضة لما يحدث اقتصادياً وسياسياً بـ”السيطان” والهراوات والبمبان والاعتقالات التعسفية الى أماكن مجهولة، و”الساقيا لسَّا مدورة”!!..

إن لم يكن خيارهم فلماذا صمتوا؟

* السؤال موجه الى الحركة الاسلاموية التي ساندت الانقلاب: إن لم يكن البشير خياركم فلماذا صمتم ولم تحركوا ساكناً حتى تقدموا من ترونه خيار أم زين؟!، ولماذا الانحناء في وجه عاصفة البشير حتى أوردكم وحركتكم ومواطنيكم موارد الهلاك؟!..

* eisay@hotmail.com