خالد فضل

المسألة ليست فشل وعجز نظام حكومي كسيح فحسب،فهذا العجز ليس وليد المصادفة انما نتيجة لخلل مقيم في بنية المشروع الاسلامي للحكم نفسه فابتداء ليس هناك نظام بهذا المسمي الهلامي،الصحيح هناك ديانة اسلامية ،مجموعة قيم اخلاقية وموجهات روحية ونصوص تعبدية وطقوس تمتاز بانها ذات صبغه فردية في الغالب ،فحتي انتظام الناس في صلاة الجماعة مثلا لا يلغى فردانية التوجه الروحي للمصلين ،ولذلك يمكن ان يكون الفرد منتظما في صلواته في المسجد ليحصل علي27 درجة اضافية نظريا ،ولكنه لا يحصل علي اي نتيجة ايجابية من ادائه لهذا الطقس الجماعي بسبب انه ركع وسجد وادى جميع الحركات المطلوبة لكن دون ان يؤديها روحيا بصدق واخلاص ،في المقابل يمكن لشارب مريسة في انداية ان يتجشأ من شبع فيحمد الله على هذه النعمة ،ويكون مردوده الروحي اعلى ،لذلك عندما نتحدث عن هلامية مايسمي بالمشروع الاسلامي في الحكم نقول بذلك بمنطق عقلاني،ولان العقل يبدو غالبا مغاير لما تريده العواطف وماتستدعيه الغرائز،يبدو من اوجه هلامية المشروع الاسلامي اعتماده الاساسي علي العاطفة في لجم اي تحري عقلاني .من شواهد ذلك في السودان مثلا ،ان جماعة من المهووسين تمكنوا من قتل شيخ عاقل وفي مصاف المفكرين ،وهو الاستاذ محمود محمد طه بتهمة الخروج علي الدين الاسلامي والردة عنه ،وكما هو معلوم فان كل ذلك افتراء،فلا النميري وعوض الجيد وبدرية والمكاشفي وابوقرون او حتي الترابي نفسه من خلفهم باقوم عقلا او منطقا من الاستاذ الشهيد،ولا هم اصحاب فكر نافذ ومنطق مستقيم ،بل ليسوا والحال كذلك بنموذج اخلاقي او ادائي افضل من الشيخ القتيل. فقد رسب جل ادعياء المشروع الاسلامي في تقديم مثال واحد للزهد والاستقامه الاخلاقية مثلا،مثلما نجح الاستاذ محمود وجل تلامذته فقد انتهي الشيخ الترابي(يرحمه الله)الى مراوغ ومراوح بين غشاء الاوهام التي بثها عبر السلطة والتسلط،وبين حقيقة الفشل لما يدعي ،فتراه في فصول حياته الاخيرة متأرجحا بين الاعتراف بسقوط معظم دعاويه عن نموذج الحكم الاسلامي حد زعمه بغروب (وجه الاسلام)عن السلطة عشية ابعاده عنها بوساطة انقلاب البشير  وعلي عثمان عليه،فيما كان لعشر سنوات يقدم ذات العناصر المتسلطة بانها تمثل افضل نموذج اسلامي عندنا كانوا الخاتم في اصبعه يديرهم  كيفما شاء،كما لاينسى الناس حملات التجييش العارمه للشباب خاصة،وعقد الزيجات لهم علي نساء الحور في الجنة وبين وصفه لهؤلاء المتزوجين حديثا  في عليين بانهم مجرد (فطايس) قضوا في حرب عبثية ضد مواطنيهم ممن يختلفون معهم فقط في الرأي السياسي او المعتقد الروحي او العرق و الثقافة! في الاثناء يفوق الاستاذ محمود بثباته  علي فكره،وسعيه الدؤوب لجعل سلوكه مطابقا لمقولاته حتى وهو يتجه صوب المقصلة في ذلك المشهد المهيب صبيحة الجمعة 18 يناير 1985م،ودون ان يزعم الاخير بتبنيه لمشروع الحكم  بالاسلام،بل علي العكس سعي لكشف زيف هذا الادعاء. وهو ماسبب له المتاعب وجلب له القتل علي يدي نظام حكم بغيض يدعي تطبيقه للحكم الاسلامي.

تطابقت الظروف منذ ان وطأ الاسلاميون دهاليز السلطة،فقد تسربوا اليها اولا عقب صفقة المصالحة الوطنية في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي،ليتجهوا فورا للتمكين الاقتصادي وكنز الثروات عبر البنك الاسلامي وعبر اشاعة اجواء الكراهية بين المختلفين في العقائد من السودانيين بزعم التوجه الى الله ومن خلال الاستثمار في حركات بهلوانية مثل اراقة زجاجات من عبوات الويسكي المعتق في مياه النيل فيما ذهبت الكراتين الى حيث الاستهلاك الخاص لحضرات( المريقين)ذاتهم! وعندما هب الشعب في انتفاضة مارس /ابريل المجيده 1985م كان سدنة سلطة مايو السابقين يتلونون كالحرباء تبعا لموجة الحرية والديمقراطية الوليدة،دون ان يتخلوا عن مقصدهم اللئيم في استغلال كل الظروف وباي وسيلة لبلوغ السلطة والتحكم فيها بزعم عريض مفاده (تطبيق شرع الله)،حتى جاءوها عبر الانقلاب العسكري المطعم بالمدنيين الاسلاميين،او العكس،ليختبر السودانيون قاطبة وبصورة عملية لاتحتمل التأويل وليس القول عنها بالحديث المرجم،اي وجه من وجوه الحكم الاسلامي تنطوي عليه مزاعم ادعيائه،ولسنا بحاجه الى طرح اي تفاصيل في هذا الامر،فالتجربة خير برهان ،ولعل شيخا  بارزا من وجوه الاسلاميين قد كفانا مؤنة القول ،ليرحم الله يس عمر الامام ،وهو يقر بانه خجل من دعوة الناس للاسلام في المسجد المجاور لسكنه ،وهو لايرجو لاحفاده ان ينتظموا في صفوف تنظيمات الاخوان المسلمين بعدما عايشه من صنوف الفساد! كما لايحتاج المرء مثلا للرد علي عنوان عريض تصدر صحف السبت مطلع هذ الاسبوع في الخرطوم مفاده ان الشيخ الزبير محمد الحسن الامين العام للحركة الاسلامية يشير الي (حملات شائعات تستهدف الحركه الاسلاميه)،شائعات ومخابرات قال !!!!!اهو الضلال القديم ذاته ،واساليب التعمية والغش بحذافيرها ،وشيخهم الحداثي رجب طيب اردوغان،يقول بملء فيه في عقر دار الاخوان المسلمين في القاهرة،انه ملتزم بالدستور العلماني والجمهورية التركية التي ارسى قواعدها( الهالك بزعمهم)كمال اتاتورك ،وبالفعل لولا ثورة اتاتورك وانقلابه لظلت تركيا ترزح تحت سلطة الوهم المسمى الحكم الاسلامي حتي يوم الناس هذا،ولما صارت قبلة حتي للاخوان المسلمين من عجب بعد ان سدت امامهم بلاد (الحرمين).

لعل اخر اوراق التوت التي تغطي عورة وبوار ذلك المشروع الوهمي قد انكشفت بتحوله الي كابوس جاثم علي صدر الشعب السوداني  ،ولدرجة ان المسلم العادي من عامة الناس في السودان يعيش في حيرة حقيقية،فامامه وفوق رأسه مشروع حكم (الهي) بينما اوجه حياته كلها يلفها الظلام  والعدم والفقر والهلع،فحتي ذهاب سدنة هذا المشروع عن الحكم صار التوقع العام ان تتبعه الكارثة والقتل والانفلات الامني ،بمعني اخر ان هذا المشروع خازوق ،فهل هذا اخر مافي جعبة الاسلاميين من فكرة؟ان يتحول مشروعهم الي بعبع في البلد الوحيد الذي دان لسطوة نسخة الاخوان المسلمين ضمن نسخ وطبعات الاسلاميين العديدة التي تشمل ليس حصرا،طيفا ممتدا من السلفيين والقاعدة وطالبان الي الدواعش ،ومع كل نسخة بلاوي ازرت الاسلام كدين،ايما زراية لو كانو يعقلون