حيدر ابراهيم علي

إن تكرار الدعوة لأمر يعني أن الدعوة أو الدعوات الأولى قد فشلت أو لم تتم الاستجابة لها لذلك كرر المسلمون الدعوة  مرة أخرى وضمن ظروف مختلفة. ومن الواضح عدم وجود اتفاق واقتناع كاملين بسبب عدم انتشار الدعوة واستمراريتها. إذ يختلف المهتمون من البداية حول مفهوم ومصطلحات يفترض أن تكون بديهية، مثل هل هو إصلاح أم تجديد؟ ويختلف الكثيرون حول: تجديد الفكر الديني أم الخطاب أم التراث؟ وهكذا يظهر التنافر من البداية قبل طرح القضايا الكبرى.

تحيط بنقاش موضوع التجديد أسئلة أولية هامة، مثل هل دعوة التجديد  تعبير عن رغبة شعبية عامة ومطلب جماهيري أم مجرد اهتمامات  نخبة أو مثقفين ومتخصصين؟فقد يريد  عامة الناس دينهم، كما هو كائن الآن ويرونه قادرا على الإجابة على كل أسئلتهم وحل كل مشاكلهم، طالما هو صالح لكل مكان وزمان. وقد تفسر هذه الفرضية أسباب تعثر التجديد الديني. لذلك من البداية لابد ـ، نتوقع فشل الدعوة الفوقية للتجديد،ويجب على دعاة التجديد البحث عن آليات تمليك الدعوة للناس العاديين وأن تصبح دعوة التجديد شاغلا حقيقيا لهم وجزءٍ أصيلا من همومهم..ولكن هذه مهمة صعبة لأنها تطال عملية تغيير المجتمع كله. وهنا نمسك بأصل وجذر قضية التجديد فنحن نظن خطأ ان المشكلة في الرأس (الأفكار) ولكنها في الواقع الاجتماعي فالمجتمعات العربية الإسلامية متخلفة وراكدة مازالت غالبية شعوبها تعيش تحت خط الفقر،وتتجاوز الأمية في أغلب دولها نسبة ال70% وتتفشى فيها الأمراض المستوطنة وتنعدم المياه الصالحة للشرب والسكن اللائق. لا أقصد من هذا القول ،الشرط الميكانيكي بين البناء التحتي والبناء الفوقي ولكنني أؤكد على صعوبة أو استحالة أن ينتج مجتمع متخلف أو راكد تجديدا أو نهضة فكرية.

هل يعني هذا التوقف عن الدعوة  حتى تتم عملية التنمية العادلة والمستقلة أم أن هناك معارك فكرية وثقافية لابد من خوضها للتمهيد لتأسيس ظروف التجديد؟من المعتاد أن يطرح  مطلب التجديد أو الإصلاح في أحوال الأزمات أو ظهور تحديات جديدة تتطلب استجابة مناسبة. فالدعوات السابقة جاءت مع ظهور خطر خارجي -منذ الصليبين وحتى الاستعمار الفرنسي ثم البريطاني والخطر الصهيوني والامبريالي الامريكي، ويأتي التحدي الحالي كاسحا وخطيراً يتمثل في العولمة.

ارتبطت دعوة التجديد بسؤال النهضة: لماذا تأخر المسلمون ؟ ولماذا تقدم غيرهم؟وكان رد البعض سهلا،لأنهم تخلوا عن دينهم فتخلى الله عنهم. وهذا التيار يمثل السلفية في الفكر الاسلامي، لأنه يعتقد أن مستقبل المسلمين خلفهم لأنهم لن يفلحوا إلا بما فلح به  الأولون لتمسكهم بالكتاب والسنة، وظلت المرجعية هي السلف الصالح. هذا وقد طبعت هذه الماضوية البنية الذهنية لأغلب المسلمين حتى اليوم، وهذه عقبة كؤود في طريق أي تجديد.

يواجه الواقع المسلم المعاصر تحدي العولمة الذي يخالف في وقعه التحديات الماضية . فهو لا يأتي باساطيله وجيوشه وارسالياته ومدارسه، فالعولمة تدخل مباشرة إلى غرف نومنا في شكل تلفاز, لاب توب أو موبايل أو طعام توصيل -كنتاكي أو بيتزا، فالعولمة صارت كالقدر الاغريقي لا تقدر علي صدها أو ردها بل نكتفي بطلب اللطف.

تلقى ظاهرة العولمة علي عملية التجديد الديني علي عاتق المسلمين عبئا فكريا ثقيلا خاصة مع غياب الأدوات المعرفية القادرة على فهم الظاهرة ثم مواجهتها.. وهنا يبرز السؤال المركزي: ما هي القوي الاجتماعية المؤهلة للقيام بعملية التجديد. أو بطريقة أخرى: ما هي النخبة أو الطليعة القادرة على التصدي لمغامرة اجتراح تجديد جذري وحقيقي وليس شكلانيا؟ ومن الغفلة الاعتقاد بأن المؤسسة الدينية يمكن أن تقوم بعملية التجديد. لأن في ذلك نوعا من الانتحار الذاتي.  فالتجديد نسف لسلطتها المعرفية والدعوية .وقد حصنت نفسها بالتأكيد على أنه للاجتهاد وللتجديد وقد نجحت في احتكار صفة ” أهل الذكر” وقصرتها علي نفسها. وهي تتصدي لكل من يقترب من القضايا الدينية بالقول بوجود شروط ومؤهلات معينة لابد من توافرها بدءٍ من معرفة أسرار اللغة العربية. وهذا شرط تعجيزي يصعب تحديده أو قياسه بصورة مطلقة.

ويتميز رجال المؤسسة بعنفهم اللفظي وقدرتهم على تخويف المخالفين، وهذا الموقف المضاد لأي حوارأو تطوير نقاش أو فكر، يعود ليقينهم أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة ويحرم عليهم المساومة فيها أو التساهل. وأشهروا أسلحة التكفير والرّدة وتهمة ازدراء الأديان، في وجهة كل من يدعو للتجديد أو ينقد فكرهم  الخاص الذي يعتبرونه الاسلام وكل من ينقده يريد هدم الدين ويحوّل  بعضهم في إطار الإرهاب الفكري كلمة” تجديد” إلي ” تبديد” الفكر الديني

فقد نجحت هذه الاستراتيجية في تحجيم محاولات التجديد والابداع فقد فرضوا ظاهرة التراجع أو الانسحاب عن المواقف الفكرية مثل طه حسين وعلي عبدالرازق وخالد محمد خالد، بالإضافة للتوقف المبكر وعدم مواصلة المشروعات الفكرية الجزئية فقد توقف (حسن حنفي) عند عدد واحد فقط من “اليسار الإسلامي” وتوقف(ليث كبة)عن إصدار(إسلام 21) كذلك مجلة”الاجتهاد” لـ (فضل شلق) ومجلة “المسلم المعاصر”، و”منبر الحوار”، و”المنار الجديد” وغيرها ولم ينجح تنظيم “الإسلاميين التقدميين” التونسي رغم خطابه التجديدي التقدمي أن ينتشر جماهيريا وينافس حزب” النهضة.

من الواضح أن التجديد الديني في بلادنا متعثر وعاجز ومستعصي على التحقق ويعود ذلك في الأساس إلى ضعف التطور المجتمعي والسياسي. ففي أمريكا اللاتينية حيث يحتدم الصراع الطبقي وتصعد الأحزاب اليسارية والاشتراكية توصلت تلك المجتمعات الي أفكار لاهوت التحرير وتحركت كثير من ثوابت الكنيسة رغم سطوتها. وهذا يعني أن معركة التجديد الديني هي نضالات كثيرة في ميادين عديدة.