فائز السليك
أدرتُ خلال فترة وجودي في القاهرة بداية العام 2012، حوارات عديدة مع شرائح مختلفة من المجتمع المصري حول أسرار نجاح حراك ٢٥ يناير ٢٠١١ وتمكنه من اسقاط نظام عسكري استمر ثلاثين عاماً. وشملت الحوارات صحافيين،سائقي تاكسي، عمال وشرائح من الطبقة الوسطى. قدم الجميع إجابة واحدة ” حين توجهنا نحو ميدان التحرير ما كنا نظن أن عدد المشاركين لن يتعدوا آلاف قليلة من الأفراد. كان في الذهن تجاربنا في عام 2005، مظاهرات حركة كفاية واحتجاجات الصحافيين ، كانت التظاهرات تبتدئ وتنتهي عند مدرجات سلالم مبنى نقابة الصحافيين الضخم ، لكنا ذهلنا حين رأينا الناس تتدفق نحو الميدان كالسيل”
مع أن المطلب في بداية المظاهرات لم يكن ” الشعب يريد اسقاط النظام” بل كان رفضاً لتوريث الحكم بعد أن ظهرت ارهاصات ترشيح جمال مبارك بديلاً لوالده؛ ومن المؤكد أن ” حالة الموات ” تلك كانت مسيطرة على كل الشارع؛ إلا قليلين. إلا أن المطالب ظلت تتناسل وتكبر كلما قوى المد الجماهيري، لقد كان في أذهان الناس أن الطريق طويل بناءً على طبيعة الأنظمة المستبدة، فهي تستخدم كل وسائل القمع للسيطرة على الجماهير، وكبح جماحها، ولا تفتر محاولات سعيها المستمرة على تغييب وتزييف وعي الجماهير؛ كي تظل في حالة تماهي كاملة مع النظام، أو منكفئة على ذواتها. تستخدم النظم المستبدة كل وسائل الترهيب والترغيب و آليات عنف ووسائل إعلام ومناهج تعليم للسيطرة، ومع ذلك فإن فصول التاريخ تذكرنا كل يوم بأن لكل استبداد سقف لا يمكن تجاوزه، وتظل الجماهير مثل وحشٍ كاسر وان استكان في قمقمٍ؛ ولكي يفوق من غفوته تلك يحتاج دوماً إلى ما يستفز طاقته الكامنة داخله، ويرى الفيلسوف الفرنسي, ومؤسس «علم فلسفة الجماهير, غوستاف لوبون؛ » أنّ “كل ما يهز مخيلة الجماهير هو ما يظهر في شكل صورة لافتة وجلية، لا تشوبها توضيحات إضافية أو لا تصاحبها إلا أشياء عجائبية: انتصار كبير، معجزة كبيرة، جريمة كبيرة، أمل كبير”.
ومع أن الأمور في السودان بلغت حافة الانهيار منذ أمدٍ بعيد؛ لا يزال السؤال قائماً لماذا تأخر التغيير؟ وأين تكمن الأزمة؟ وقبل تقديم أجوبة لمثل هذه التساؤلات يمكننا أخذ أمثلة من ” ثورات الربيع العربي” فقد كان من الملاحظ للمراقب غياب القوى السياسية المنظمة في معظم التحركات، ففي تونس كان الفاعل الأساسي ” اتحاد الشغل” فيما لم تتنظم القوى المعارضة في ليبيا؛ الا في اللحظات الأخيرة؛ وكان أبرز تلك القوى جماعات ” الإسلام السياسي” التي حظيت بدعم قطري عبر الخرطوم التي أخذت “أجر المناولة” ثم كان الدعم الكبير العسكري العالمي لأجندة متقاطعة هدفت للقضاء على معمر القذافي، وفي مصر ظهر “الأخوان المسلمون” على سطح الأحداث بعد أيام من تصاعد الحراك وادراك الجماعة لدنو ساعة الانتصار، وقبل ذلك كان الشباب الثائر يفور عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وفي شهر يونيو حين كتب الشاب وائل غنيم الموظف في شركة قوقل” اليوم مات شاب في مثل عمري اسمه خالد سعيد، وان لم افعل شيئاً فقد أكون أنا التالي” ثم صمم صفحة ” كلنا خالد سعيد” والتي بلغ عضويتها في دقائق حوالى ٣٠٠ عضواً، ثم ارتفع عدد أعضاء الصفحة خلال ثلاثة أشهر الى حوالي 250 ألف عضوا نزلوا الى ميدان التحرير وميادين مصر الأخرى في وقت واحد، وهنا يصعد السؤال؛ كيف يمكن نزول مئات الآلاف في يوم واحد وفي عدة ميادين؟
أنّ “ثورات الجماهير تتم عبر تراكم الفعل المقاوم ، و عملية تشابك القضايا المختلفة وأجندتها المتباينة، وفي حالة السودان يظل السؤال المفتاحي ؛ هو كيفية الربط بين حزمة قضايا مطلبية تتمثل في مشاكل أراضي الجريف، بقضايا اقتصادية مثل ” الغلاء” أو قضايا مصيرية كأزمات الهامش ” الحرب والسلام” ثم ربط كل ذلك بحزمة قضايا حقوق الإنسان و الحريات والديموقراطية؟ إن عدم قدرة أصحاب المصلحة في التغيير على ربط كل هذه القضايا مع بعضها البعض هو السبب الرئيسي في تأخير عملية اسقاط النظام، حيث لم تتبقى سوى رؤية دابة الأرض تأكل منسأته، فالنظام ” ميت سريرياً، بل فشل في تقديم أي حلول؛ عدا التدابير الأمنية التي لن تزيد الأمور إلا خُبالا. ومع ذلك؛ لا يزال الطريق طويلاً ولا تزال المعارضة في حاجة ملحة لمعرفة الأسباب ومن ثم ابتداع خطاب سياسي جديد عبر وسائل أكثر جاذبية تمكن المقاومة من عملية حشد كبير للجماهير، وتحويل ” الجيوش العشوائية ” المنتشرة في فضاء العالم الافتراضي الى جيوش حقيقية تتحرك داخل الميادين. ولو أخذنا؛ مثلا جملة وائل غنيم نجدها تقوم على التخويف، وبالتالي تحرض الناس على فعل ” ثوري” مصادم يعطل أليات القتل والتعذيب، والعبارة تحرض الشخص المستهدف مباشرة” أن لم تخرج أنت لمقاومة هذا فستكون أنت الضحية التالية” وخطاب الترهيب في السودان لا يحتاج الى التقاط حادثة واحدة، بل هناك عشرات الحوادث يومياً، او استغلال حادثات الفساد للتبشير بعهد شفاف يسد الثغرات المتحللة التي تتسرب عبرها القطط السمان. ولا بد من ملازمة خطاب الترهيب خطاب آخر ” ترغيب” فالترهيب للتخويف من استمرار الأوضاع السيئة واستمرارها مع استمرار النظام، بينما يقصد بالترغيب؛ فتح نوافذ أمل مشرعة والتبشير بغد زاهي يرهين بميلاد عهد جديد. ووفقاً لدراسات سيكولوجية وسيسيولوجية اتضح أنَ الجماهير خلال فترات الاحتقان تحركها العواطف، وتؤجج نيران الغضب دواخلها. لقد لفتت الثورة الفرنسية في القرن السادس عشر، انتباه الباحثين والمهتمين، وقد بحثوا تفاصيل احتلال سجن الباستيل، أعتى زنازين القمع في ذاك العصر، لكن الجماهير حين انتفضت، وثارت اقتحمت هذا الحصن العتي، وأقامت مذابح في الشوارع، والمفارقة؛ فأن من بين المتورطين في الجرائم كان رجال قانون ومفكرين وقادة رأي. يؤكد التاريخ أن اجتماع الجماهير في ظرف زمكاني واحد يحولها إلى قطيع كقطيع أبقار تقوده بقرة تقف في المقدمة، و يرى لوبون ” إن العديد من خصائص الجماهير الخصوصية، من مثل سرعة الانفعال، والنزق، والعجز عن المحاكمة العقلية وانعدام الرأي الشخصي والروح النقدية والمبالغة في العواطف والمشاعر، وغيرها، كل ذلك نلاحظه لدى الكائنات التي تنتمي إلى الأشكال الدنيا من التطور كالشخص الوحش، أو الطفل مثلاً، وهذه المقارنة التشبيهية لا أثيرها هنا إلا عرضاً” إن الراهن أوقات التوتر والغضب والاحتقان كي تفجر تظل في حاجة دائمة إلى ” مثيرات” لا إلى بيانات محشودة ” بعبارات إنشائية فضفاضة ” أو مشحونة بعبارات حماسية خاوية؛ لا تداعب مخيلة هذا “الوحش”
والمتابع لخطاب المعارضة السياسي يجده خطاباً مأزوماً غارقاً في لج الأزمة باستمرار، ولذلك؛ تظل قوى التغيير في حاجة الى ابتداع خطاب ملهم، فالثورات تحتاج الى رموز ” أيقونات” وقيادات” أو قضايا حقيقية. لقد تجسدت الثورة المهدية في ” كاريزما” المهدي” فيما تمثلت ثورة أكتوبر رمزية القرشي، وتجردت انتفاضة أبريل في قضية الحريات والديموقراطية” وعليه؛ نتوقع أن تتمثل شعارات الثورة القادمة في هزيمة الفساد والقضاء على القطط السمان. هزيمة منتهكي حقوق الإنسان واسقاط مشروع الدولة الدينية العنصري، ان تطورت الثورات السودانية من حالة التجسيد الى وضعية الترميز الى أفق التجريد يضعنا في محك خلال المرحلة القادمة، هي مرحلة تحتاج الى شعارات أكثر التصاقا بقضايا وهموم الجماهير بعد أن وصلنا ارتدت الأوضاع الى الوراء بسبب المشروع الحضاري الشرير، وصلت مرحلة انحطاط لا فكاك منها الا بابتداع نظامٍ جديد، وكما أشرت في مقال سابق فأن النظام الإسلامي الحالي، لا يشبه ما سبقته من أنظمة؛ لا مضموناً ولا شكلاً. ولذلك فأن قوى التغيير في حاجة ملحة إلى عمل دؤوب، والتحام بهموم الناس ومخاطبة قضاياهم بطرق مبتكرة، حتى تنجح في عملية تنظيمهم وحشدهم، وتعتبر عمليات التنظيم والحشد مرحلة تحضيرية في مسارات الثورة ، وتتم هذه المرحلة عبر تنظيم مظاهرات صغيرة وحملات تضامن في قضايا حقوقية مختلفة؛ وبالتالي تكون قد نجحت في عملية تهيئة الجماهير نحو نقلة ثانية، وربما تكون هي نقلة حاسمة، أو “لحظة فارقة”، أو “انفجار القنبلة الناسفة”، وهو انفجار قد يقع لمجرد حادث صغير، مثل مقتل بائع متجوّل، مع أنّ عشرات أو مئات الأفراد كانوا قد قتلوا قبله، إلا أنّ عملية التراكم والتحريض والتعبئة والحشد تجعل هذا الفعل انتصاراً لكرامة منتهكة مثل حالة ” محمد بوعزيزي “التونسي، أو ربما يحدث الانفجار نتيجة هزة اقتصادية كبيرة كغلاء الأسعار والجوع، وانقطاع الكهرباء والمياه أو كل فعل يمكن أن يثير هذا “الوحش” و”الوحش الكاسر”، لا توقفه بعد ذلك وسائل قمع، ولا ترعبه رسائل تهديد، ولا تستضعفه مغريات ترغيب حال حصول “قطيعة معرفية” مع الماضي وانعتاق من أسره ورفضه بعد انكشاف خدع كان يضلل بها الناس فتراتٍ طويلة، ويدجن عبرها الجماهير حتى يتمكن من قيادتها واحتوائها أو تخريب تجمعاتها. إن الجماهير باستمرار محتاجة لإزالة الغشاوة عن العقل الواعي، وتخطي مرحلة الزيف والتضليل ومن ثم تشكيل ” الكتلة الحرجة” فعندئذ؛ يذوب الأفراد في الجماعة، وتتولد روح جماعية تشعر الفرد بالأمان بذوبانه داخل جماعته، وتهزم الجموع داخله قشعريرة الخوف، فيشعر بالقوة ويكتسب الثقة، ويمكن أن يفعل خلال ذلك ما لا يفعله ان كان بمفرده، وهنا تظهر البطولات والتضحيات فنرى صورة رجل وسط غابات دخان الغاز المسيل للدموع، أو صورة فتاة تقاوم مجموعة من أفراد الأمن أو الشرطة، أو شاب يتقدم نحو قوة مدججة بالسلاح رغم أنه أعزل إلا من قضيته وشجاعته. هي مشاهد تنقلها وسائط الإعلام والتواصل الاجتماعي في خضم تدفق المعلومات والصور.
إن التغيير يحتاج الى مشروع وطني وقوى سودانية تمثل كل التنوع والتعدد، مثلما يحتاج العمل إلى آليات جديدة وخطاب سياسي مختلف عن الخطاب المكرور والممل، ويتطلب ذلك من قوى التغيير البحث عن ” شعارات مثيرة مختصرة ومعبرة” و إلى ” أيقونات محفزة” كما تحتاج الى استقطاب نجوم وشخصيات تتمتع بشعبيات كبيرة مثل الفنانين ولعيبة كرة القدم وروابط المشجعين. إن قوى التغيير تحتاج إلى تغيير خطابها، والخروج من أندية الصفوية وديموقراطية رجع الصدى، والخروج من دائرة الورش المنغلقة الى رحابة الوطن الفسيح، كما أن قوى التغيير في حاجة عاجلة الى تكوين غرفة عمليات للعمل الإعلامي، ومن وجهة نظري ظل الإعلام كعب أخيل التغيير، وللعبور إلى الأمام لابد من طرح تساؤلات حول وجود سياسة إعلامية؟ وهل يوجد أفراد متدربون ومحترفون لإدارة غرف عمليات الإعلام؟ وهل لقوى التغيير خطة لمواجهة الهجمات المرتدة من قبل الحكومة؟ وكيف يتم التعامل مع ” الإشاعة والتضليل وحجب المعلومات والتدليس؟ كيف توظف قوى التغيير وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل تدرك أن هذه الوسائل سلاح ذو حدين؛ إن لم تتم عملية توظيف واعية؟ ما الشعارات والمؤثرات والمثيرات والمحفزات التي بني عليها الخطاب الإعلامي؟ من هم الأشخاص المؤثرون في قيادة الحملات؟ ومن هم النجوم؟ إن تقديم أجوبة لهذه التساؤلات يكون بداية الخروج من جدلية خطاب الأزمة وأزمة الخطاب التي تتجلى في خطابات القوى المعارضة؛ لا سيما المنظمة منها.